الشكر لنعمة هذا الأدب الذي منّ الله سبحانه به عليه ، فقال : ) رَبِّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ ( « 1 » ، وهذا يعنى أنّه استعاذ بربّه ممّا كان من مضمون كلامه المتقدّم وهو سؤال نجاة ابنه ولا علم له بحقيقة حاله .
ومن اللفتات الرائعة التي يطويها قوله تعالى : ) أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ ( هي أنّه قال : ) أَنْ أَسْأَلَكَ ( ولم يقل : « من سؤال ما ليس لي به علم » وهذا يدلّ على أنّ السؤال عمّا ليس له به علمٌ لم يقع من نوح عليه
السلام بعد ، فإنّه لو كان السؤال قد وقع منه فعلًا لكان حقّ الكلام أن يقابل بالردّ الصريح أو يقال مثلًا « لا تعد إلى مثله » كما وقع نظيره في موارد من كلامه تعالى ، كقوله : ) قَالَ رَبِّ أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِى ( « 2 » ، وقوله : ) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ( إلى أن قال : ) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً ( « 3 » .
5 . أدَب الحوار مع الأمّة
يعدّ هذا الباب في سلوك الأنبياء عليهم السلام فيما حاوروا به أُممهم التي بعثوا فيها من أوسع أبواب الأدب الإلهى الذي جسّده أنبياء الله ورسله ، وهو أيضاً من أبواب التبليغ العملي الذي لا يقصر بل يزيد أثراً على التبليغ القولي .
هامش
( 1 ) هود : 47 .
( 2 ) الأعراف : 143 .
( 3 ) النور : 17 .