من جهة أُخرى نرى أنّ الأخلاق والسجايا الإنسانية شديدة التأثير في نوع تخيّل الإنسان ، فالذي يحبّ إنساناً أو عملًا ما لا ينفكّ يتخيّله في يقظته ويراه في نومته ، والضعيف النفس الخائف المذعور إذا فوجئ بصوت يتخيّل إثْره أُموراً هائلة ليس لها غاية ، وكذلك البغض والعداوة والعجب والكبر والطمع ونظائرها كلّ منها يجرّ الإنسان إلى تخيّله صوراً متسلسلة تناسبه وتلائمه ، وقلّ ما يسلم الإنسان من غلبة بعض هذه
السجايا على طبعه .
ومن ثمّ كانت أغلب الرؤى والمنامات من التخيّلات النفسانية التي ساقها إليها شئ من الأسباب الخارجية والداخلية الطبيعية أو الخلقية فلا تحكى النفس بحسب الحقيقة إلّا كيفية عمل تلك الأسباب فيها فحسب لا حقيقة لها وراء ذلك . وهذا هو السبب الذي أدّى ببعض علماء الطبيعة أن ينكروا حقيقة الرؤى والمنامات .
إلّا أنّ هذا الكلام وإن كان صحيحاً في نفسه لكنّه لا ينتج إلّا أن ليس كلّ الرؤى ذا حقيقة ، وهو غير ما ندّعيه من أنّ هناك بعض المنامات الصالحة والرؤى الصادقة التي تكشف عن حقائق واقعية لا سبيل إلى إنكارها ونفيها .
وعليه فإنّ هذه الإدراكات المتنوّعة المختلفة التي تعرض النفس الإنسانية وهى المسمّاة بالرؤى لها أُصول وأسباب تستدعى وجودها للنفس وظهورها للخيال
وهى على اختلافها تحكى وتمثّل بأُصولها وأسبابها التي استدعتها ، فلكلّ منام تأويل وتعبير غير أنّ تأويل بعضها
يوسف الصديق (رؤية قرآنية) — صفحة 211
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢١١