وهذا المعنى هو الذي ذكره أكثر الأصحاب وعوّلوا عليه في هذا الباب وهو أنّ القول في أخبار الطينة منزّل على العلم الإلهى ، فإنّه تعالى لمّا خلق الأرواح كلّها قابلة للخير والشرّ : ) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( « 1 » وقادرة على فعلهما : ) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلًّا نُمِدُّ هؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( « 2 » ، وعلم أنّ بعضها يعود إلى الخير المحض وهو الإيمان ، وبعضها يعود إلى الشرّ المحض وهو
الكفر باختيارها ، عاملَها هذه المعاملة ، كالخلق من الطينة الطيّبة أو الخبيثة .
فحيث علم الله من زيد أن يختار الخير والإيمان البتة ، ولو لم يخلق من طينة طيّبة ، خلقه منها ، ولمّا علم من عمرو أنّه يختار الشرّ والكفر البتة ، خلقه من طينة خبيثة ، لطفاً بالأوّل ، وتسهيلًا عليه وإكراماً له ، لما علم من حسن نيّته وعمله ، وبالعكس في الثاني : ) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ( « 3 » .
وعلم الله ليس بعلّة لصدور الأفعال ، وهذا معنى جيّد تنطبق عليه
هامش
( 1 ) الإنسان : 3 .
( 2 ) الإسراء : 20 18 .
( 3 ) الليل : 10 5 .