تخطي إلى المحتوى الرئيسي

يوسف الصديق (رؤية قرآنية) — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
هذه النصوص وكثير غيرها تؤكّد حقيقة علم الله تعالى بالأشياء علماً أزلياً قبل خلقه لها وإيجاده إيّاها ، بل يعلم الله سبحانه ممتنع الوجود أن لو كان وجد كيف يكون . استناداً إلى هذه الحقيقة ، فلو علم الله سبحانه من عبد أنّه لا يريد سوى الطاعة والعبادة والطهارة من الرجس والدنس ، فلا محالة أن يعطيه ذلك ويهيّئ له جميع الأسباب كما هو مقتضى وعده وما كتبه على نفسه ، ولابدّ أن تتعلّق إرادته التكوينية بذلك ، تمكيناً للعبد من تحقيق ما يريده ، ولا يعنى هذا أىّ لون من ألوان الجبر والقهر لذلك الإنسان في تحقيق مراده ، بل يبقى العبد مختاراً مريداً ، وقد استجابت المشيئة الإلهية لما اختاره وأراده . وبالعكس فيما لو علم من شخص آخر أنّه لا يريد سوى التمرّد والجحود والكفر والعصيان ، والخروج عن حبل الطاعة وزىّ العبودية ، فلا يمنعه من ذلك ، بل يعطيه كلّ ما يريد تحقيقاً لرغباته ، كما أنّ الإرادة الإلهية التكوينية أيضاً تتعلّق بتلكم الأفعال ، فيصحّ أن يقال : إنّما يريد الله أن يكون فلان هكذا . . وهذا أيضاً لا يعنى الجبر على المعصية ، بل شاء إنسان باختياره وإرادته أن لا يستجيب لأوامر الله تعالى ، فشاءت إرادة الله تحقيق ما اختاره ذلك الإنسان . ومن ثمّ يتّضح لنا أنّ إرادة الله التكوينية التي لا تتخلّف عن المراد ، لا تتنافى مع اختيار الإنسان ، وإن كانت جميع أفعال الإنسان مخلوقة لله تعالى ، لكنّها مخلوقة وفق ما يريده الإنسان ويختاره .
يوسف الصديق (رؤية قرآنية) — صفحة 119 | السيد كمال الحيدري