بحيثيّة عينيّته للذات المقدّسة فهو مطلق لا حدَّ له ، والمطلق لا يُمكن الإحاطة به ، وإلّا عاد مقيّداً ، فالإحاطة التفصيليّة تعني الوقوف على جميع جهات الشيء ، والله تعالى لا جهة له لإطلاقه ، كما هو ثابت في مظانّه .
ثمَّ إنَّ الإحاطة قد تكون مادّية ، كما هو الحال بالنسبة لجدران الدار ، حيث يُسمّى كلّ واحد منها بالحائط ، وقد تكون إحاطة معنويّة ، والّتي تُفيد معاني مخُتلفة ، منها : العلم بتفاصيل كلِّ شيء ، ومنها : حراسة كلّ شيء ، والنتيجة العمليّة لذلك كلّه هو أنَّ الُمحيط لا يعزب عنه شيء ، ولا ريب بأنَّ هذه الإحاطة المعنويّة لا تصدق إلّا على الله تعالى ، كما حكاه لنا القرآن الكريم ، بقوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ( سبأ : 3 ) ، ولذيل الآية أسرار وخفايا عميقة وكبيرة لا يسع المقام بتجليتها .
وهذه الإحاطة المعنويّة ليست صوريّة أو اعتباريّة ، وإنّما هي إحاطة وجوديّة تكوينيّة ، وإلّا كانت الإحاطة المادّية أشرف منها ، وحيث إنَّ الوجود المعنوي الحقيقي المجرّد هو الأشرف وجوداً وآثاراً فإنَّ اللائق بالله تعالى هو وصفه بالإحاطة المعنويّة العلميّة الحضوريّة بكلّ شيء .
من هنا يتّضح لنا سرّ آخر لعدم إحاطة الآخرين بشيء من علمه إلّا بمشيئته تعالى ، لأنَّ ما عداه تتمحور إحاطته بالأشياء في إطارها المادّي لا المعنوي ، وتلك الإحاطة المعنويّة الحقيقيّة لابدّ أن تكون منبثقة منه تعالى ، فاحتاج الأمر إلى إذن وإشاءة منه تعالى .
آية الكرسي (تفسيراً وتأويلا) — صفحة 44
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٤