الأوّل : إنَّ الضمير ( هو ) يشتمل على غموض وإبهام رغم أنّه من المعارف ، بل إنَّ الضمير وفقاً لمشهور اللغويين من أعرف المعارف ، مع أنّنا نستقرب كون العلم هو كذلك ، وأنَّ أعرف الأسماء مطلقاً هو لفظ الجلالة .
وعلى أيّ حال ، إذا كان الضمير فيه نوع إبهام وغموض ، فهل ذلك يُقرّبه من عالم التنكير ؛ باعتبار أنّ النكرة اسم مُبهم لا يُمكن تعيّنه في الخارج ، كقولك : رأيت رجلًا ، فلا يُمكننا تعيين مصداقه ، فهل الضمير كذلك في المقام ؟
الصحيح هو ليس كذلك فيما إذا كان مسبوقاً بعلم ، وأنَّ الضمير عائد إليه ، كما هو الحال في الآية الكريمة ، بخلاف ما لو قلنا : رأيتُ رجلًا يقرأُ كتاباً ، فإنَّ الضمير الفاعل المُستتر في كلمة ( يقرأ ) سوف يبقى مجهولًا لأنّه يعود إلى مجهول ، وهذا واضح . فالضمير بحسب القرينة السياقيّة يتّضح لنا معناه ، من كونه مُبهماً أو مُشخَّصاً .
الثاني : إنَّ الإشارة لله سبحانه وتعالى بالضمير بدلًا من لفظ الجلالة أكثر وقعاً في النفوس ، وأعمق حكاية عن الذات المقدَّسة ، وبعبارة أُخرى : إنَّ الذي يحكي الذات المقدَّسة بدقّة هو الضمير لا لفظ الجلالة ، لأنَّ الذات المقدَّسة كلَّها إبهام وغموض ، وليس لأحد مهما بلغت مراتبه المعرفيّة أن يسبر غور الذات المقدَّسة ، وبالتالي فإنَّ التعبير الموافق لمقتضى الحال هو الضمير ، فالتعبير به في الآية الكريمة فضلًا عن موافقته للصناعة اللغويّة فإنَّه الأوفق لحكاية الكمال المقصود في الذات المقدَّسة ،
آية الكرسي (تفسيراً وتأويلا) — صفحة 23
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٣