وعلى أيِّ حال فإنّ لهذا الاتّجاه أنصاراً كثيرين من القدماء والمعاصرين ، لاسيَّما أصحاب ما يُصطلح عليه الهرمنيوطيقا « 1 » ، الذين حاولوا إعطاء دلالات جديدة للألفاظ أسموها بالقراءات ، وقد بالغ بعض أنصارها بمحاولة تغييب مقاصد المتكلّم وإحداث معانٍ تبرّعيّة لم تُؤخذ فيها مقاصد المتكلّم ؛ وعلى أيّ حال فإنَّ الهرمنيوطيقا كانت وما تزال مثيرة للَّغط والجدل والخلاف في تحديد مداليل الألفاظ .
الاتّجاه الخامس : وحدة المفهوم وتعدّد المصداق
وهو الاتّجاه الذي حاول أن يجمع بين المداليل اللفظيّة للنصّ والاتّجاه العقلي في التعاطي مع الحقائق التي تتوحَّد وتتفرَّد على مستوى المفهوم ،
هامش
( 1 ) الهرمنيوطيقا : مصطلح قديم ظهر في اللاهوت الكنسي بمعنى مجموعة القواعد التي يعتمد عليها المفسّر في فهم الكتاب المقدّس ، وقد استعمل في الدراسات اللاهوتية للدلالة على هذا المعنى منذ سنة 1654 م ، ولم يزل مستخدماً بنفس المعنى في اللاهوت البروتستانتي ، غير أنّ مفهومه اتّسع بالتدريج فشمل دوائر أخرى تستوعب بجوار الدراسات اللاهوتية العلوم الإنشائية والنقد الأدبي وفلسفة الجمال والفلكلور . وإنَّ لفظ ( الهرمنيوطيقا ) لفظ يوناني ( بيري هرميناس ) وضعه أرسطو كجزء من أجزاء المنطق ويعني كما ترجمه قدماء المناطقة : قضية العبارة ، أي كيف يمكن تفسير العبارة . ثمّ تطوّر الأمر عند اللغويين ، وأصبح يسمّى ( ذانترتسيونك ) ، أي قضية التفسير ، ثم تطوّرت الأمور في العصر الوسيط عند أوغسطين وعند تاسيان وعند أورجين ، وفي العصر المبكر عند آباء الكنيسة من أجل معرفة كيف يمكن فهم النصّ الديني . انظر : مقدّمة كتاب ( منطق فهم القرآن ) : ج 1 ص 18 .