تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤
الأصول مثلًا إنما وصل إليه هذا العلم بعد طيّ مراحل سابقة عليه ، لم يكن بالإمكان بحسب طبيعة تطوّر العلوم أن يكتب الشيخ الطوسي مثلًا بدلًا عن كتاب العدّة كتاباً آخر في الأصول على مستوى تقريرات الميرزا النائيني ، لأنّ كتاب العدة كان يمثّل مرحلة من مراحل تطوّر هذا العلم ، ثم استمر تكامل وتطوّر هذا العلم بالتدريج حتى وصل إلى ما انتهى إليه في عصرنا الحاضر . إذا التفتنا إلى هذا نقول : لو فرض أن الفقهاء يومئذ كانوا قد أفتوا بعدم صحّة الصلاة مع وجود النجاسة في المسجد وذهبوا إلى وجوب إزالتها عن المسجد أولًا وأجمعوا على ذلك ، فهنا لعلّ إجماعهم كان ناشئاً من عدم التفاتهم إلى قاعدة إمكان الترتّب . قد يقال : إن هذه النكتة قد يغفل عنها فقيه أو فقيهان أو ثلاثة ، أما أن يغفل عنها كلّ أولئك الإعلام الذين كانوا في ذلك العصر ، فبعيد جداً بحساب الاحتمال . والجواب : إن هذا ليس ببعيد ؛ لأنّ احتمال غفلتهم جميعاً إنما هو معلول لمنشأ واحد وهو طبيعة التطوّر العلمي الذي مر به هذا العلم ، فإن نظرية إمكان الترتّب ما كان ليلتفت إليها إلا بعد الالتفات إلى باب التزاحم وبعد التنبه إلى الفرق بين التزاحم والتعارض ، ولم يكن ليحصل ذلك إلا بعد ممارسة علمية شاقّة وطويلة أدّت إلى مثل هذه النتائج العميقة والدقيقة . على هذا فمن المعقول جداً أن تحصل غفلة عامّة من مثل هذه النظريات في أول مراحل تكوّن علم الأصول والفقه ، لأنّ الالتفات إلى هذه النظرية وما يشاكلها يحتاج إلى حركة علمية واسعة ، وهذه الحركة تحتاج إلى زمان لابدَّ من طيّه حتى يمكن الوصول إلى مثل هذه