النقطة الثالثة : عدم تجرّد الأمّة من رواسب الجاهلية
إن الدعوة عملية تغيير ومنهج حياة جديد ، وهي تكلّف بناء أمّة من جديد واقتلاع كلّ جذور الجاهلية ورواسبها من
وجودها . والأمة الإسلامية ككلّ لم تكن قد عاشت في ظلّ عملية التغيير هذه إلا عقداً واحداً من الزمن على أكثر تقدير ، وهذا الزمن القصير لا يكفي عادة في منطق الرسالات العقائدية والدعوات التغييرية لارتفاع الجيل الذي عاش في كنف الدعوة عشر سنوات فقط إلى درجة الوعي والموضوعية والتحرر من رواسب الماضي والاستيعاب لمعطيات الدعوة الجديدة ، بحيث تؤهّله للقيمومة على الرسالة وتحمّل مسؤوليات الدعوة ومواصلة عملية التغيير بدون قائد . بل إن منطق الرسالات العقائدية يفرض أن تمرّ الأمّة بوصاية عقائدية فترة أطول من الزمن تهيّئها للارتفاع إلى مستوى تلك القيمومة .
وليس هذا شيئاً نستنتجه استنتاجاً فحسب وإنما يعبّر أيضاً عن الحقيقة التي برهنت عليها الأحداث بعد وفاة القائد الرسول صلى الله عليه وآله إذ لم يمض الخليفة الثاني حتى تولّى عثمان الخلافة ، وبهذا انفتح باب لأعداء الإسلام القدامى لكي يوجّهوا ضرباتهم الشديدة إليه ،
ولكن من داخل إطار التجربة الإسلامية لا من خارجها . فاستطاعوا أن يتسلّلوا إلى مراكز النفوذ في التجربة بالتدريج ويستغلّوا القيادة غير الواعية ، ثم صادروا بكلّ وقاحة وعنف تلك القيادة وأجبروا الأمّة وجيلها الطليعي الرائد على التنازل عن شخصيته وقيادته ، وتحوّلت الزعامة إلى ملك موروث يستهتر بالكرامات ويقتل الأبرياء ويبعثر الأموال ويعطّل الحدود ويجمّد الأحكام ويتلاعب بمقدّرات الناس ، وأصبح الفيء