تفرضه طبيعة العمل التغييري ؛ إذ ليس من المعقول أن يرسم الهدف إلا وفقاً لممكنات عملية ، ولا إمكان عملي في حالة كالحالة التي واجهها الإسلام إلا ضمن الحدود التي ذكرناها ، لأنّ الفاصل المعنوي والروحي والفكري والاجتماعي بين الرسالة الجديدة والواقع الفاسد القائم وقتئذ كان لا يسمح بالارتفاع بالناس إلى مستوى زعامة هذه الرسالة مباشرة خلال عقد أو عقدين من الزمن .
* وهذا ما سنشرحه في النقطة التالية ونبرهن عن طريقه على أن استمرار الوصاية على التجربة الانقلابية الجديدة متمثّلة في إمامة أهل البيت وخلافة علي عليهم السلام كان أمراً ضروريّاً يفرضه منطق العمل التغييري على مسار التاريخ .
* إن جزءاً كبيراً من الأمّة التي تركها النبي صلى الله عليه وآله بوفاته كان يمثّل مسلمة الفتح ، أي المسلمين الذين دخلوا الإسلام بعد فتح مكة وبعد أن أصبحت الرسالة الجديدة سيّدة الموقف في الجزيرة العربية سياسياً وعسكرياً ، وهؤلاء لم يُتَحْ للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله أن يتفاعل معهم في الفترة القصيرة التي أعقبت الفتح إلا بقدر ضئيل ، وكان جلّ تفاعله معهم بوصفه حاكماً بحكم المرحلة التي كانت الدولة الإسلامية تمرّ بها ، وفي هذه المرحلة برزت فكرة المؤلّفة قلوبهم والتي أخذت موضعها في تشريع الزكاة وفي إجراءات أخرى ، ولم يكن هذا الجزء من الأمّة مفصولًا عن الأجزاء الأخرى بل كان مندمجاً فيها ومؤثّراً ومتأثراً في الوقت نفسه .
في إطار هذه الأمور الستة نجد أن التربية النبوية أنتجت إنتاجاً عظيماً وحقّقت تحوّلًا فريداً وأنشأت جيلًا صالحاً مؤهّلًا لما استهدفه
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة — صفحة 476
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٧٦