على أساس ذلك طرحوا السؤال المحوري التالي : هل يكون الإمام بنصّ ونصب من الله سبحانه وبيان من رسوله صلى الله عليه
وآله ، أم عُهد أمر اختياره وانتخابه إلى الأمّة ؟
وحيث لم يتجاوز دور الإمام في النظام الفكري لهذه المدرسة تخوم القيادة والزعامة السياسية ، فقد كان من المنطقي أن يولّوا وجوههم صوب نظرية الشورى وانتخاب أهل الحلّ والعقد ، بقطع النظر عن دلالات الوحي الإلهي ؛ لأنّ هذه النظرية أقرب إلى الذوق العرفي ، هذا أولًا . وثانياً لأنّ الحكومة شأن من شؤون الناس وعهد بينهم وبين الإمام القائد . وإذ يكون الأمر كذلك فلابدَّ أن يكون للأمة دور في إدارة تلك الشؤون والنهوض بها ، لأنّ القرآن ينصّ : وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ( الشورى : 38 ) . من الواضح أن الإمامة بمعنى القيادة داخلة في أمر الناس ؛ لهذا اتّجهت المجتمعات البشرية صوب نظرية الانتخاب لا النصّ .
وكان مما ترتّب على تلك النواة المحورية في تأسيس نظامهم الفكري لفهم نظرية الإمامة وحصرها في القيادة السياسية ، أنهم التزموا بانقطاعها
وعدم دوامها ، لأنّ المفروض أن هذا المنصب لا يتحقق لأحد إلا بعد الانتخاب والبيعة ، ومع عدم تحقق ذلك لا يحقّ لأحد أن يتصدّى لهذه المسؤولية ويرغم الناس على القبول !
وعندما انتقلوا إلى الشروط التي لابدَّ من توافرها فيمن يتصدّى للنهوض بهذا الدور ، لم يجدوا مناصاً من الالتزام بأنه لا يشترط أن يكون معصوماً ، بل تكفيه من الناحية السلوكية العدالة بمعناها المتداول في البحث الفقهي ، ومن ناحية التأهيل العلمي تكفيه قدرة علمية ترفعه إلى مستوى أداء المسؤوليات التي أنيطت به .
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة — صفحة 448
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٤٨