الفصل الخامس : تأويل السيِّد الداماد
وقالَ شيخُنا وسيّدُنا ومَنْ إليه سنَدُنا في العلومِ أدامَ اللهُ علوَّه ومجْدَه في بعضِ كتبهِ العقليّةِ : إنّ القضاءَ على ضربينِ مختلفينِ : علميٍّ وعينيٍّ ، وكما يصحُّ أنْ يُعنى به ظهورٌ في العلم وتمثّلٌ في العالَمِ العقليِّ فكذلك يصحُّ أنْ يُعنى به وجودٌ في الأعيانِ ، وعلّمناك أنّه يمتنعُ اللانهايةُ بالفعلِ في القدرِ ، لا في القضاءِ ، فَربُّ القضاءِ والقدرِ وراءَ ما لا يتناهى بما لا يتناهى ، ولا يضيقُ عنِ الإحاطةِ بجملةِ ما لا نهايةَ له مجملةً ومفصَّلةً وهو واسعٌ عليمٌ ، وإنَّ ما يوجد في وعاءِ الدّهر ويتمُّ وجودُه التدريجيُّ بالفعلِ في أفقِ التغيُّرِ ويبقَى تحقُّقُه بتمامِه في وعاءِ الدّهرِ بقاءً دهريّاً لا زمانيّاً ، فإنَّه يجبُ أنْ يكونَ متناهيَ الكميَّةِ سواءً كان في الآزالِ أو في الآبادِ ، وأنّ المادّيّاتِ ليستْ في القضاءِ أعني بحسبِ الوجودِ العينيِّ في وعاءِ الدَّهرِ الوجوديِّ عند ربِّ القضاءِ والقدرِ متأخّرةً عن حصولِ موادِّها بل هي موادُّها بحسبِ ذلك في درجةٍ واحدةٍ ، فلو سمعتَنا نقولُ : إنَّ المادّياتِ إنّما هي ماديَّةٌ في القدَرِ وفي أُفقِ الزَّمانِ لا في القضاءِ الوجوديِّ في وعاءِ الدَّهرِ ، وفي الحصولِ الحضوريِّ عندَ العليمِ الحقِّ ، فافْقَهْ أنَّا نعني بذلك سلبَ سبْقِ المادّةِ في ذلك النّحوِ مِنَ الوجودِ لا مفارقةَ المادَّةِ والانسلاخَ عنها هناك حتّى يصيرَ المادّيُّ مجرَّداً باعتبارٍ آخر .