الشرح
يتضمّن هذا الفصل وجهين استبعد من خلالهما ما ذهب إليه العلّامة الخفري من أنّ المثُل إنّما هي جواهر عقليّة قائمة في العقول ، وليس كما يروَّج من أنّها قائمة في الأعيان ، وإنْ ورد ذلك على الألسن فلا يُراد بالأعيان إلّا العقول ، وذلك لأنّها أعيان العالم الحسّي ، والعالم الحسّي ما هو إلّا ظلٌّ لها عنده .
أمّا الوجه الأوّل : إنّ كلمات أفلاطون والأقدمين الذين يتّفقون معه في هذه المسألة تؤكّد على الوجود الخارجي والقيام بالذات لتلك الصور التي يقولون بأنّها المثل الاسميّة ، فهي غير قائمة لا في موضوع ، ولا محلّ .
ثمّ يدعم المصنّف ( رحمة الله عليه ) هذا الوجه بكلام لإفلاطون وآخر لمَن يقول بمقالته . أمّا كلام أفلاطون ، فإنّه يصرّح برؤية أُمور مجرّدة قائمة بذاتها ، وذلك في حالة من حالات تجرّده : « إنّي رأيت عند التجرّد أفلاكاً نوريّة » ، ونقل عمّن يوافقه الرأي : « إنّ لكلِّ نوع جسمانيّ فرداً قائماً بذاته » « 1 » .
وأمّا الوجه الثاني : فإنَّ الكلام الذي شنّع به المعارضون لفكرة المثل يشير إلى أنّ تلك المثل والموجودات المجرّدة التي تُعدُّ الأفراد الروحانيّة لماهيّات لها نحو آخر من الأفراد تكون ماديّة ، إنّما هي موجودة قائمة بذاتها ، وبعبارة أخرى : لو أردنا أنْ نترجم شناعات هؤلاء المشنّعين إلى قياس استثنائيّ لكان كالتالي : لو كان الأمر كما يزعمه أفلاطون ومَنْ معه ، من أنّه يوجد للموجودات صور مجرّدة باقية قائمة بذاتها في عالم الإله ، للزم أن يكون في عالم العقول خطوط وسطوح ، وأفلاك ثمّ توجد حركات تلك
هامش
( 1 ) الشواهد الربوبية ، مصدر سابق : ص 157 .