الفرض : التعليمي المفارق موجود .
المدّعى : بطلان القول بوجود التعليميّ المحسوس .
البرهان : يمكن عرضه من خلال القياس الاستثنائي التالي :
لو كان التعليميّ المحسوس موجوداً لكانت ماهيّته إمّا مطابقة لماهيّة المفارق أو غير مطابقة ، والتالي بكلا شقّيه باطل فالمقدّم مثله .
الذي يحتاج إلى بيان هو بطلان التالي بكلا شقّيه : المطابقة ، وعدم المطابقة . أمّا بطلان المطابقة بين التعليمي المحسوس وبين التعليمي المفارق على مستوى الطبيعة ، فهو بأن يقال : ما دامت الطبيعة واحدة فلما كان فردٌ منها مجرّداً ، وآخر مقارناً ، أو يُقال بعبارة أخرى : مادّيّة الفرد المادّي إمّا أن تكون مقتضى الطبيعة الواحدة أو مقتضى أمر خارج عنها ، وكلاهما باطل لا محالة ، وذلك لأنّ الأوّل يلزم منه عدم وجود فرد مجرّد لتلك الطبيعة ، هذا فيما لو كانت المادّية مقتضى الطبيعة ، وإلّا فلو كان التجرّد مقتضاها لما وجد لها فردٌ طبيعي ، وهو كما ترى .
وأمّا إذا كان مقتضى المادّيّة أو التجرّد أمراً خارجاً عن الطبيعة عارضاً عليها ، فيلزم حينها أن يكون للمادّي شأنيّة التجرّد ، والمجرّد شأنيّة أن يكون مادّياً . وهو كما ترى أيضاً ، إذ المجرّد ليس له حالة منتظرة ، وهو منزّه عن التحوّل والتبدّل .
وأمّا إذا لم يكن مطابقة ما بين طبيعة كلّ من التعليميّ المحسوس والآخر المفارق ، فتكون التعليميّات المفارقة غير ما نتصوّره ونصدّق به من تعليميّات ، وإذ لا تصوّر ولا تصديق بوجود مثل هذه التعليميّات ، فلا مجال للبحث في تجرّدها الذي هو مستوى البحث في هل المركّبة ، إذ لا يبحث في مستواها إلّا بعد الفراغ من البحث في ما هي ، وفي « هل هي » .
المثل الإلهية (بحوث تحليلية في نظرية افلاطون) — صفحة 253
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٥٣