تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل الإلهية (بحوث تحليلية في نظرية افلاطون) — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
الذي أُريد من خلاله إثبات المثل الإفلاطونيّة الغير قائمة بالغير ، فهو أن يدّعى بأنّ هذه الصور المعقولة توجد بوجود واحد بسيط على نحو اللفّ ، لا على نحو الكثرة والتركّب . وإن قيل : إذا كان الوجود واحداً بسيطاً فمن أين نشأت هذه الكثرة في الصور المعقولة ؟ قبل الإجابة عن السؤال المطروح آنفاً ، لا بأس بذكر المثال الذي عرضه لأجل تقريب هذه المسألة التي عرضها من خلال هذا الشقّ ، وهو أنّه تعالى موجود واحد بسيط ، له أسماء حسنى كثيرة ، وصفات عُليا كذلك ، والذي أدّى إلى هذه الكثرة هو ضعف المدرِك ، حيث لا يمكنه أن يشرف على تلك الحقيقة بتمام شؤونها وشراشرها ، ولو بحسب استعداده ، فيبدأ بتناولها من حيثيّات يجدها في نفسه ، كما لو أنّه وجد أنّه عالم بذاته ، أو قادراً ، أو حيّاً ، فإنّ دركه لمثل هذه الصفات الكماليّة تعدّه لأن يدرك ما يناظرها في تلك الحقيقة فيدرك حياة ، وعلماً ، وإرادة ، وقدرة ، وبالتالي فإنّ مرجع هذه الكثرة لصفات شيء واحد بسيط إنّما هو ضعف وضيق السِّعة الإدراكيّة ليس إلّا . والذي نحن فيه ، هو كذلك أيضاً ، فالصور المعقولة المتعدّدة التي ندركها من خلال جزئيّات حسّيّة ، إنّما هي عبارة عن كواشف عن كمالات متعدّدة موجودة بوجود واحد لموجود واحد ، فإذا ما شاهدنا عدداً من رؤوس الغنم مثلًا ، ثمّ أدركنا الصورة الكلّية للغنم ، فإنَّ هذه الصورة تكشف عن كمال موجود في موجود واحد ، فيه كمال الفرسيّة ، وكمال البقرية ، وهكذا ، وفي هذا نسف للمثل الإفلاطونيّة التي ترتكز على كثرة الوجودات التي تحكي عنها الصور المعقولة المتعدّدة . وبهذا يتّضح كيف انتزعنا المفاهيم والماهيّات ، وذلك من خلال عمليّة