تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل الإلهية (بحوث تحليلية في نظرية افلاطون) — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤

لغة الرَّمز

اعتاد الأقدمون من أهل الأسرار على تضمين معارفهم الحقّة في قوالب الرموز حتّى أضحت لغةً تخصّهم دون غيرهم ، وما ذلك إلّا حرصاً منهم على كرامتها فلا تنتهك من قبل الجهلة وأرواحهم فلا تسفك بيد متقرّب إلى الله تعالى بجهله وعماه عن رؤية ما يشعّ من كلماتهم من نور يتلألأ ، وما ينسب إلى الإمام السجّاد عليّ بن الحسين فيه الغنى والكفاية عن بيان هذه الحقيقة المُرّة : يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به لقيل لي : أنت ممّن يعبد الوثنا ولاستحلَّ رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا ولكي لا تكون المعارف الحقّة والأسرار الشامخة شرعة لكلِّ وارد وفي يد من ليس أهلًا ، عمدوا إلى صيانتها بأقفال عصيّة إلّا على من طوى المراحل بعد خلع النعلين وطيِّ القدمين والانخلاع من القوّتين ، تلك الأقفال المحكمة العصيّة هي الرموز والإيحاءات والإشارات ، إذ أصحاب هذه المعارف يدور أمرهم بين أمور ثلاثة ، لا يصحّ منها اثنان ، ويتعيّن الثالث ، أمّا الثلاثة فهي : بسط هذه المعارف وعرضها أمام الكلّ ، كتمها إخفاؤها عن الكلّ ؛ عرضها بلغة لا يفهمها إلّا الأهل . الأوّلان لا يصحّان ، وذلك لأنّ الأوّل منهما يلزم منه هتك كرامة هذه الأسرار والمعارف الشامخة العزيزة ، وفي هذا ظلمٌ في حقّها شنيع ، أمّا الثاني فلأنّ فيه حرماناً للمستحقّين المستعدّين لنيل هذه المعارف ودركها ، وهو ظلمٌ لا يقلّ شناعة عن الظلم الذي يلزم من الأوّل ، وإلى هذا أشار الشاعر : فَمَنْ مَنَحَ الجهّال علماً أضاعه ومَنْ منع المستوجبين فقد ظلم إذن فيتعيّن الثالث ، حيث فيه الصيانة من أهل الجهالة ، وفيه مجال