الفصل العاشر : المأخذ الأول
هذه أقوالُ هذا الشّيخِ المتألِّهِ في هذَا البابِ ، ولا شكَّ أنَّها في غايةِ الجودةِ واللطافةِ ، لكن فيها أشياء :
منها عدمُ بلوغِها حدَّ الإجداء ، حيثُ لم يُعلَمْ من تلكَ الأقوالِ أنَّ هذهِ الأنوارَ العقليّةَ أهيَ مِن حقيقةِ أصنافِها الحسّيّةِ حتّى أنَّ فرداً واحداً من جملةِ أفرادِ كلِّ نوعٍ جسمانيٍّ يكون مجرّداً والباقي مادّيّاً ، أم ليس كذلك ، بل يكونُ كلٌّ من تلك الأنوارِ المجرّدةِ مثالًا لنوعٍ مادّيٍّ لا مثلًا لأفرادِه ، والمرويُّ عن أفلاطونَ وتشنيعاتِ المشَّائينَ عليهِ يدلُّ دلالةً صريحةً على أنَّ تلكَ الأربابَ العقليّةَ من نوعِ أصنامِه المادّيةِ . ويؤيّدُ ذلك تسميةُ حكماءِ
الفرسِ ربَّ كلِّ نوع باسمِ ذلك النّوعِ ، حتّى إنّ النّبتةَ التي يسمُّونها « هوم » التي تدخلُ في أوضاعِ نواميسِهم يقدِّسونَ لصاحبِ نوعِها ، ويسمُّونها : « هوم إيزد » ، وكذا جميعُ الأنواعِ فإنّهم يقولون لصاحبِ صنمِ الماءِ مِن الملكوتِ : خرداد ، وما للأشجارِ سمَّوه : مرداد ، وما للنّارِ سمَّوه : أردي بهشت ، وصاحبُ الإشراقِ حملَ كلامَ المتقدِّمينَ في تلكَ الأربابِ وتسميتَهم كلَّ ربٍّ باسمِ صنمِه على مجرَّدِ المناسبةِ والعلِّيةِ لا علَى المماثلةِ النَّوعيّةِ ، كما يدلُّ عليه قولُه في المطارحاتِ ، وإذا سمعتَ أنباذقلسَ وأغاثاذيمونَ وغيرَهما يشيرون إلى أصحابِ الأنواع فافهم غرضَهم ، ولا