رأيت أنّ الحدّ الأوسط الذي ثبتت بموجبه العرضيّة لتلك القوى إنّما هو الحلول في مطلق المحلِّ ، سواء كان هذا المحلّ مستغنياً عمّا يحلُّ فيه أم غير مستغنٍ . هذا هو دليل العرضيّة عند الأوائل .
أمّا دليلها عند المتأخّرين فهو ما تراه في القياس التالي :
كلُّ حالٍّ في محلٍّ مستغنٍ عنه - - - ) عَرَضٌ
القوى النباتيّة - - - ) حالّة في محلٍّ مستغنٍ عنها
القوى النباتيّة أعراض .
إذن فالحدّ الأوسط ليس مطلق المحلّ كما كان الحال عند الأوائل ، بل هو المحلّ المستغني الذي به تثبت عرضيّة هذه القوى .
أمّا صغرى هذا القياس فواضحة ، وأمّا كبراه فقد بيّنها المصنّف ( رحمة الله عليه ) بقوله : « لأنّ صور العناصر كافية في تقويم وجود الهيولى » أي الذي ينهض بدور تقويم وجود المحلّ الذي هو الهيولى إنّما هو صور العناصر ، فالمادّة محلٌّ غير مستغنٍ عنها في وجودها ، بينما هي كذلك بالنسبة للقوى ، وإلّا لما صحَّ وجود العناصر والممتزجات العنصريّة ، فإنّ المعدن مثلًا ليس له مثل هذه القوى ، وبالتالي فلو كان لها مدخليّة في تقويم وجود الهيولى الأولى لما وجد المعدن ، وهو تالٍ باطل ، إذ لا شكّ ولا ريب في وجود المعدن .
الحرارة الغريزيّة
قبل الخوض في ما هو المراد من الحرارة الغريزيّة ، لا بأس بتوضيح
محلِّها من الكلام . وذلك بأن يُقال : لمّا كان هذا الوجه يعتمد في إثبات المثل على نفي مبدئيّة القوى النباتيّة ، لما نراه من آثار وأفعال تترتّب على النبات والحيوان ، وهذا النفي يرتكز على تغيّر تلك القوى ، وتغيّرها يرتكز على كونها أعراضاً موجودةً لمتغيّر ، وهذا المتغيّر إمّا الروح البخاري ، أو