تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
والشهداء والصالحين ، ولا يتحقّق ذلك إلا من خلال طرق ثلاثة وهى الخوف والرجاء والحبّ ؛ قال تعالى : وَفِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ( الحديد : 20 ) . دلّت الآية أن حقيقة الدنيا هي متاع الغرور كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ، فعليه أن لا يجعلها غاية لأعماله في الحياة ، وأن يعلم أن له وراءها داراً وهى الدار الآخرة فيها ينال غاية أعماله ، وهى عذاب شديد للسيّئات يجب أن يخافه ويخاف الله فيه ، ومغفرة من الله قبال أعماله الصالحة يجب أن يرجوها ويرجو الله فيها ، ورضوان من الله يجب أن يقدّمه على رضا نفسه . وطباع الناس مختلفة في إيثار هذه الطرق الثلاثة واختيارها : فبعضهم - وهو الغالب - يغلب على نفسه الخوف ، وكلّما فكّر فيما أوعد الله الظالمين والذين ارتكبوا المعاصي والذنوب من أنواع العذاب الذي أُعدّ لهم زاد في نفسه خوفاً ولفرائصه ارتعاداً ، ويساق بذلك إلى عبادته تعالى خوفاً من عذابه . وبعضهم يغلب على نفسه الرجاء ، وكلّما فكّر فيما عدّه الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات من النعمة والكرامة وحسن العاقبة ، زاد رجاءً وبالغ في التقوى والتزام الأعمال الصالحات طمعاً في المغفرة والجنّة . وإليهما الإشارة في قوله تعالى : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( السجدة : 16 ) . وطائفة ثالثة وهم العلماء بالله لا يعبدون الله خوفاً من عقابه ولا