تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
الحكم والسلطان يحسبونها القوّة القادرة التي تعمل في هذه الأرض ، فيتوجّهون إليها بمخاوفهم ورغائبهم ويخشونها ويفزعون منها ويترضونها ليكفّوا عن أنفسهم أذاها أو يضمنوا لأنفسهم رضاها وحماها ! وتخدعهم قوّة المال ، يحسبونها القوّة المسيطرة على أقدار الناس وأقدار الحياة ، ويتقدّمون إليها في رغب وفى رهب ، ويسعون للحصول عليها ليستطيلوا بها ويتسلّطوا على الرقاب كما يحسبون ! وتخدعهم قوّة العلم يحسبونها أصل القوّة وأصل المال وأصل سائر القوى التي يصول بها من يملكها ويجول ، ويتقدّمون إليها خاشعين كأنّهم عبّاد في المحاريب ! وتخدعهم هذه القوى الظاهرة ، تخدعهم في أيدي الأفراد وفى أيدي الجماعات وفى أيدي الدول ، فيدورون حولها ويتهافتون عليها ، كما يدور الفراش في المصباح وكما يتهافت الفراش على النار ! وينسون القوّة الوحيدة التي تخلق سائر القوى الصغيرة وتملكها وتمنحها وتوجّهها وتسخّرها كما تريد حيثما تريد ، وينسون أن الالتجاء إلى تلك القوى سواء كانت في أيدي الأفراد أو الجماعات أو الدول ، كالتجاء العنبكوت إلى بيت العنكبوت . . . حشرة ضعيفة رخوة واهنة لا حماية لها من تكوينها الرخو ولا وقاية لها من بيتها الواهن . وليس هنالك إلا حماية الله وإلا حماه وإلا ركنه القوى الركين . هذه الحقيقة الضخمة هي التي عنى القرآن بتقريرها في نفوس الفئة المؤمنة ، فكانت بها أقوى من جميع القوى التي وقفت في طريقها ، وداست بها كبرياء الجبابرة في الأرض ودكّت بها المعاقل والحصون .
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 43 | السيد كمال الحيدري