فما من شئ من المخلوقات المركّبة الوجود إلا ويتوسّط لوجوده عدة من الأسماء الحسنى بعضها فوق بعض وبعضها في عَرْض بعض ، وكلّ ما هو أخص منها
يتوسّط بين الشئ وبين الأعمّ منها ، كما أن الشافي يتوسّط بين المريض وبين الرؤوف الرحيم ، والرحيم يتوسّط بينه وبين القدير وهكذا . والتوسّط المذكور في الحقيقة تتميم لتأثير السبب فيه ، وإن شئت فقل هو تقريب للشئ من السبب لفعلية تأثيره ، وينتج منه أنه تعالى شفيع ببعض أسمائه عند بعض ، فهو الشفيع ليس من دونه شفيع في الحقيقة .
وبهذا يتبيّن أنه لا إشكال في إطلاق الشفيع عليه تعالى بمعنى أن تكون بعض صفاته تعالى متوسّطة بينه وبين المشفوع له لإصلاح حاله كتوسّط الرحمة والمغفرة بينه وبين عبده المذنب لإنجائه من وبال الذنب وتخليصه من العذاب . وأما كونه تعالى شفيعاً بمعنى شفاعته لشئ عند غيره فهو مما لا يصحّ جزماً .
والفرق بين هذا الوجه وما ذكر في الوجه السابق ، أن المالك لا يتّصف بمملوكه في الوجه السابق كما في ملك
زيد للدار ، بخلاف الملك على هذا الوجه فإن المالك يتصف بمملوكه كملك زيد الشجاع لشجاعته « 1 » .
وعلى هذا فيكون حقيقة طلب الشفاعة من الشفعاء ليست إلا دعاء النبىّ أو الولىّ في أن يدعو الله في حقّ المذنب أن يعامله
هامش
( 1 ) يمكن مراجعة هذا البحث في : الميزان في تفسير القرآن : ج 16 ص 245 ، ج 17 ص 270 .