ولعلّ أهمّ مستند لهم في هذه الدعوى ما ورد في قوله تعالى : قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( الزمر : 44 ) فاللام في ( لله ) للملك ، وقوله لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ في مقام التعليل للجملة السابقة . والمعنى أن كلّ شفاعة فهي مملوكة له تعالى خاصّة لا يشاركه فيها أحد كما هو مقتضى البراهين العقلية أيضاً . ولازم ذلك أنه لا يشفع أحد في حقّ أحد إلا بإذنه تعالى للشفيع وارتضائه للمشفوع له . لكن مالكية الشفاعة لله تعالى بالإصالة والاستقلال لا ينافي أن يكون غيره مالكاً للشفاعة بتمليكه ، كما في قوله تعالى : وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( الزخرف : 86 ) حيث دلّت صراحة أن من شهد بالحقّ يملك الشفاعة ولكن تمليكاً منه سبحانه وفى طول
ملكه .
وللآية معنى آخر أدقّ إذا انضمّت إلى مثل قوله تعالى : مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا شَفِيعٍ ( السجدة : 4 ) وقوله : لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ ( الأنعام : 51 ) وهو أن الشفيع بالحقيقة هو الله سبحانه . فإطلاق الشفيع عليه تعالى ليس لأنه مالك لمقام الشفاعة فقط كما في الوجه السابق ، بل بمعنى كونه شفيعاً بنفسه عند نفسه لما عرفت أن أسماءه تعالى الحسنى هي وسائط بينه وبين خلقه في إيصال الفيض إليهم ، فهو تعالى يرزقهم مثلًا بما أنه رازق جواد غنىّ رحيم ، ويشفى المريض بما أنه شاف معاف رؤوف رحيم ، ويهلك الظالمين بما أنه شديد البطش ذو انتقام عزيز وهكذا .
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 358
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٥٨