تشريع التوبة والإغراء بالمعصية
قد يقال إن في تشريع التوبة والدعوة إليها إغراء بالمعصية وتحريضاً على ترك الطاعة ، فإن الإنسان إذا أيقن أن الله يقبل توبته إذا اقترف أىّ معصية من المعاصي لم يخلّف ذلك في نفسه أثراً دون أن تزيد جرأته على هتك حرمات الله والانغمار في لجج المعاصي والذنوب ، فيدقّ باب كلّ معصية قاصداً أن يذنب ثم يتوب .
والجواب : إن ما ذكر من استلزام التوبة أن يقصد الإنسان كلّ معصية بنيّة أن يعصى ثم يتوب فقد فاته أن التوبة بهذا النعت لا يتحقّق معها حقيقة التوبة ، فإنها انقلاع عن المعصية ولا انقلاع في هذا الذي يأتي به . والدليل عليه أنه كان عازماً على ذلك قبل المعصية ومع المعصية وبعد المعصية . ولا معنى للندامة أي التوبة قبل تحقّق الفعل ، بل مجموع الفعل والتوبة في أمثال هذه المعاصي مأخوذ فعلًا واحداً مقصود بقصد واحد
مكراً وخديعة يخدع بها رب العالمين ، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله .
ولا يتنافى ذلك مع قبول التوبة ممن تكرّرت منه المعصية بعد التوبة الصادقة ، لأنه لم يكن مصرّاً عليها مستكبراً معانداً فيها ، لذا ورد عن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال :
« يا محمد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة ، أما والله إنها ليست إلا لأهل الإيمان .
قلت : فإن عاد بعد التوبة والاستغفار من الذنوب وعاد في التوبة ؟ فقال :
يا محمد بن مسلم أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر منه ويتوب ثم لا يقبل الله توبته ؟