فتبيّن بذلك أن الجهالة في باب الأعمال إتيان العمل عن الهوى وظهور الشهوة والغضب من غير عناد مع الحق . ومن خواصّ هذا الفعل الصادر عن جهالة أن إذا سكنتْ ثورة القوى وخمد لهيب الشهوة أو الغضب باقتراف السيّئة أو بحلول مانع أو بمرور زمان أو ضعف القوى بشيب أو مزاج ، عاد
الإنسان إلى العلم وزالت الجهالة وبانت الندامة ، بخلاف الفعل الصادر عن عناد وتعمّد ونحو ذلك فإن سبب صدوره لما لم يكن طغيان شئ من القوى والعواطف والأميال النفسانية بل أمراً يسمّى عندهم بخبث الذات ورداءة الفطرة لا يزول بزوال طغيان القوى والأميال سريعاً أو بطيئاً بل دام نوعاً بدوام الحياة من غير أن يلحقه ندامة من قريب إلا أن يشاء الله .
نعم ربما يتّفق أن يرجع المعاند اللجوج عن عناده ولجاجه واستعلائه على الحقّ فيتواضع للحقّ ويدخل في ذلّ العبودية فيكشف ذلك عندهم عن أن عناده كان عن جهالة ، وفى الحقيقة كلّ معصية جهالة من الإنسان ، وعلى هذا لا يبقى للمعاند مصداق إلا من لا يرجع عن سوء عمله إلى آخر عهده بالحياة والعافية .
ثانيهما : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ وقد أجمعوا على أن المراد من هذا
القرب حضور زمان الموت ومعاينة أهواله ، والدليل على ذلك قوله تعالى في الآية التالية : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ الْآنَ ( النساء : 18 ) . ولازم ذلك أن عامل السوء بجهالة لا يقيم عاكفاً على طريقته ملازماً لها مدى حياته من غير رجاء في عدوله إلى التقوى والعمل الصالح كما يدوم عليه المعاند اللجوج ، بل يرجع عن عمله من قريب . كلّ معاند لجوج
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 296
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٩٦