تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
يقبل ما يقبل من التوبة على ما وعد ويردّ ما يرّد منها كما هو ظاهر قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ( آل عمران : 90 ) ويمكن أن يكون من هذا الباب قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ( النساء : 137 ) .

الحكمة من تشريع التوبة

إن الملاك الذي شرعت لأجله التوبة هو التخلّص من هلاك الذنب وبوار المعصية ؛ لكونها وسيلة الفلاح ومقدّمة الفوز بالسعادة كما يشير إليه قوله تعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( النور : 31 ) . ومن فوائدها مضافة إلى ذلك أن فيها حفظاً لروح الرجاء من الانخماد والركود ، فإن الإنسان لا يستقيم سيره الحيوي إلا بالخوف والرجاء المتعادلين حتى يندفع عما يضرّه وينجذب إلى ما ينفعه ، ولولا ذلك لهلك ؛ قال تعالى : قُلْ يَا عِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( الزمر : 53 ) . ولا يزال الإنسان على ما نعرف من غريزته على نشاط من الروح الفعّالة وجدّ في العزيمة والسعي ما لم تخسر صفقته في متجر الحياة ، وإذا بدا له ما يخسر عمله ويخيب سعيه ويبطل أمنيته استولى عليه اليأس وانسلّت به أركان عمله ، وربما انصرف بوجهه عن مسيره آئساً من النجاح خائباً من الفوز والفلاح ، والتوبة هي الدواء الوحيد الذي يعالج داءه ويحيى به قلبه وقد أشرف على الهلكة والردى .
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 291 | السيد كمال الحيدري