والحاصل : إن توبة العبد محفوفة بتوبتين من الربّ تعالى ، حيث إنه يرجع تعالى إلى العبد بالتوفيق وإفاضة رحمة الهداية وهى التوبة الأولى منه ، فيهتدى العبد إلى الاستغفار وهو توبته ، فيرجع تعالى إليه بقبول توبته وغفران ذنوبه وهى التوبة الثانية منه تعالى . وإذا تأملت حقّ التأمّل وجدت أن التعدّد في توبة الله سبحانه إنما عرض لها من حيث قياسها إلى توبة العبد ، وإلا فهي توبة واحدة هي رجوع الله سبحانه
إلى عبده بالرحمة ، ويكون ذلك عند توبة العبد رجوعاً إليه قبلها وبعدها .
توبة الأنبياء
لما كان القرب والبُعد من الله تعالى أمرين نسبيين ، أمكن أن يتحقّق البُعد في مقام القرب بنسبة بعض مواقفه ومراحله إلى بعض ، ويصدق حينئذٍ معنى التوبة على رجوع بعض المقرّبين من عباد الله الصالحين من موقفه الذي هو فيه إلى موقف أرفع منه وأقرب إلى ربّه كما يشهد به ما يحكيه تعالى من توبة الأنبياء وهم معصومون بنصّ كلامه « 1 » كقوله تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ( البقرة : 37 ) وقوله تعالى : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( البقرة : 127 - 128 ) وقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام : سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
هامش
( 1 ) يمكن مراجعة كتاب : عصمة الأنبياء في القرآن ( محاضرات : السيد كمال الحيدري ) بقلم : محمود نعمة الجياشى .