إشكال وجواب
قد يقال : إن قوله تعالى : يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ( التوبة : 96 ) فلو أخذ بعمومه وإطلاقه لكان من خلط عملًا صالحاً وآخر سيّئاً ، مشمولًا في الآية لأنه فاسق ، وكلّ فاسق فهو غير مرضىّ عنه بمقتضى ظاهر هذه الآية ، وإذا كان غير مرضىّ عنه فلا تشمله الشفاعة ؛ لقوله وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى .
إلا أن التحقيق في آية سورة التوبة يتطّلب تحديد المراد من الفاسقين فيها ، فهل هم عموم من صدر منه الفسق أم خصوص المنافقين ؟ فإذا كان المراد من ( الفاسقين ) في الآية مطلق من صدرت منه المعصية فيقع التنافي بينها وبين قوله وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وقوله : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً . وأما إذا كان المراد من « الفاسقين » فيها خصوص المنافقين فلا تنافى ولا تعارض بينها وبين الآيات الدالّة على شمول الشفاعة لمن كان صحيح الاعتقاد وإن خلط عملًا صالحاً
وآخر سيّئاً ، لأن المنافق لا تشمله الشفاعة ؛ لعدم كونه مسلماً حقيقة وواقعاً ، وإن كان يحكم بإسلامه ظاهراً ، فلم يحرز فيه أنه مرضىّ الدين عند الله تعالى .
والرجوع إلى الآيات السابقة واللاحقة على هذه الآية يثبت أنها في حقّ المنافقين خاصّة ؛ قال تعالى : وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ إلى أن قال : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ