« إن الله تعالى لم يميّز جملة الكبائر عن جملة الصغائر ، لأنه تعالى لمّا بيّن في هذه الآية أن الاجتناب عنالكبائر يوجب تكفير الصغائر ، فإذا عرف العبد أن الكبائر ليست إلا هذه الأصناف المخصوصة عرف أنه متى أحرز عنها صارت صغائر مكفّرة ، فكان ذلك
إغراءً له بالإقدام على تلك الصغائر ، والإغراء بالقبيح لا يليق بالجملة . أما إذا لم يميّز الله تعالى كلّ الكبائر عن كلّ الصغائر ولم يعرف في شئ من الذنوب أنه صغيرة ولا ذنب يقدم عليه إلا ويجوّز كونه كبيرة ، فيكون ذلك زاجراً له عن الإقدام عليه .
والحاصل : إن هذه القاعدة تقتضى أن لا يبيّن الله تعالى في شئ من الذنوب أنه صغيرة ، وأن لا يبيّن أن الكبائر ليست إلا كذا وكذا ، فإنه لو بيّن لكان ما عداها صغيرة ، فحينئذ تصير الصغيرة معلومة ، ولكن يجوز أن يبيّن في بعض الذنوب أنه كبيرة » « 1 » .
والحقّ أن تمييز جملة الكبائر عن جملة الصغائر لا يبعث على التجرّى ولا نقض الغرض ، لأنها تدعو إلى ترك الكبائر بلا شك ، وارتكاب الصغيرة من جهة أنها صغيرة والتهاون في أمرها والإصرار عليها يعدّ مصداقاً من مصاديق الطغيان والاستهانة
بأمر الله سبحانه وهو من أكبر الكبائر . قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام :
« إن رسول الله صلّى الله عليه وآله نزل بأرض قرعاء
( أي لا نبات فيها )
فقال لأصحابه : ائتوا بحطب ، فقالوا : يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب . قال : فليأت كلّ إنسان بما قدر عليه ، فجاءوا به حتى رموا بين يديه
هامش
( 1 ) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب : ج 10 ص 62 .