والتبعات في الدنيا والآخرة . أما إذا اختلفت تلك الآثار والنتائج المترتّبة عليها فلا مجال لهذا الاعتراض ، وهذا ما أثبته القرآن الكريم حيث قسّم المعاصي والذنوب إلى كبائر وصغائر ؛ قال تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً ( النساء : 31 ) حيث دلّت الآية أن الذنوب لو كانت بأسرها كبائر لم يصحّ الفصل بين ما يكفّر باجتناب الكبائر وبين الكبائر . نعم العصيان والتمرّد كيفما كان كبير وأمر عظيم بالنظر إلى ضعف المخلوق المربوب في جنب الله عظم سلطانه ، غير أن القياس في هذا الاعتبار إنما هو بين الإنسان وربّه لا بين معصية ومعصية ، فلا منافاة بين كون كلّ معصية كبيرة باعتبار وبين كون بعض المعاصي صغيرة باعتبار آخر .
من هنا جاء التفريق بين الذنوب في القرآن الكريم بأن جعل بعضها لا يُغفر أبداً إلا مع الإيمان والتوبة ؛ قال
تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ( النساء : 48 ) وبعضها تغتفر بلا توبة كما في الآية المتقدّمة إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً ( النساء : 31 ) حيث بيّنت أن اجتناب الكبائر يوجب غفران السيّئات . والسيّئة وإن كان لها إطلاقات عديدة في القرآن الكريم ومنها إطلاقها على المعاصي جميعاً أعمّ من الكبائر والصغائر كقوله : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ( الجاثية : 21 ) إلا أن المراد منها هنا الصغائر ؛ إذ مع فرض اجتناب الكبائر لا تبقى للسيّئات إلا الصغائر .
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 154
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٥٤