سبحانه بأنّه كلّ ما يقع عليه اسم شيء فله عنده تعالى خزائن مخزونة باقية عنده غير نافدة ، ولا مقدَّرة بقدر ، ولا محدودة بحدّ ، وأنّ القدر والحدّ في مرتبة الإنزال والخلق ، وأنَّ الكثرة التي في هذه الخزائن ليست من جنس الكثرة العددية الملازمة للتقدير والتحديد بل تعدّد المراتب والدرجات - إلى أن يقول : - فتحصَّل أن هؤلاء الذين عرضهم الله تعالى على الملائكة موجودات عالية محفوظة عند الله تعالى ، محجوبة بحجب الغيب ، أنزل الله سبحانه كلّ اسم في العالم بخيرها وبركتها ، واشتقَّ كلّ ما في السماوات والأرض من نورها وبهائها ، وأنّهم على كثرتهم وتعدّدهم لا يتعدّدون تعدُّدَ الأفراد ، ولا يتفاوتون تفاوتَ الأشخاص ، وإنّما يدور الأمر هناك مدار المراتب والدرجات ، ونزول الاسم من عند هؤلاء إنّما هو بهذا القسم من النزول ، وقوله تعالى : وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ وكان هذان القسمان من الغيب النسبي الذي هو بعض السماوات والأرض ، ولذلك قوبل به قوله : أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ، ليشمل قسمي الغيب ، أعني الخارج عن العالم الأرضي والسماوي وغير الخارج عنه ) « 1 » .
وينبغي أن يُعلم بأنَّ المراد من الشهود هو التوفّر على كمالات المشهود ، فالمعلوم ليس صورة ذهنية ، وليس حضوره مجرّد حضور عين شاخصة أمام العالم بها ، وإنّما حضور المعلوم بكماله لدى العالم به شهوداً ، وهذا هو معنى التحقّق بالشيء الذي يقع في قباله التحقيق الحصولي البرهاني .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 1 ، ص 117 - 118 . .