علماً بأنَّ الإنسان قد اقترب كثيراً ، وفي أكثر من مقطع زمني ، من الالتصاق بالحقِّ المطلق والفجر الصادق . كانت له محاولات جادّة تستحقّ التقدير ، ولكنها بقيت قصيرة النظر ، وقد احتاجت في جميع مراحلها إلى تدخّل يد الغيب .
جدير بالذكر أنَّ جميع مصاديق الفجر الكاذب كان الإنسان يقرنها بالخير والعطاء والرحمة من جهة ، وبالعصمة والقوّة والقدرة من جهة أُخرى « 1 » .
إنّه الإنسان المُتحرّك باتّجاه كمالاته المطلقة ، يعيش أرَقه التأريخي وهمّه الأزلي بتشخيص الخالق ، ونظراً لتعدّد الأخطاء التأريخية في تشخيص المصداق نجد الإنسان بفطرته ودواعيه يسأل ، . . . قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ( الأعراف : 138 ) ، أي تخطئون في تشخيص المصداق الحقّ .
هامش
( 1 ) من قبيل آلهة بابل وسومر في العراق القديم ، فعشتار عندهم رمز الجمال ، وتمّوز رمز الخصب والعطاء والخير الوفير ، بخلاف الحضارات الأُخرى التي كانت سلحفاتية الحركة باتّجاه مصداق الكمال فاتخذت الأصنام البائسة ، وهذا ما نُسمّيه بالوعي التأريخي العميق الذي عاشته حضارة وادي الرافدين ، وكلّ أُمّة إذا عظُم وعيها تفاقم شقاؤها ، لأنّها أمّة راصدة وناقدة ومُستفهمة وفاعلة ، وليست أُمة مُتلقّية ومقلّدة ومنفعلة ؛ ولأجل هذا استحقّت حضارات العراق أن تكون المهد الحقيقي لحضارة الإنسان في العالم . .