موجوداً إمكانياً لا يتناهى ، فالحقّ سبحانه فوق ذلك بما لا يتناهى لا أنّه فوقه بما يتناهى .
في ضوء هذا المبدأ نفهم مغزى القاعدة القرآنية فيما تتحدّث به عن الكمال . فأىّ كمال يتحدّث عنه القرآن ينسبه أوّلًا إلى الله سبحانه ثم ينسبه إلى غيره من الممكنات إمّا بالغير وإمّا بالإذن وإمّا بالظهور ونحو ذلك ، بحسب المباني الفلسفية والعرفانية الموجودة في هذا المجال .
إنّ الشواهد لإثبات هذه الحقيقة كثيرة ؛ منها قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام :
« لم يلد فيكون مولوداً ، ولم يولد فيصير محدوداً »
« 1 » فلو كان مولوداً من شئ لكان محدوداً ، إذ لابدّ أن ينتهى ذلك الشئ حتى يبدأ هو .
على المنوال ذاته نقول : ليس هو بوالد ؛ إذ لو كان والداً لكان محدوداً أيضاً .
مما يدلّ على الحقيقة ذاتها قوله عليه السلام :
« الأوّل الذي لا غاية له فينتهى ، ولا آخر له فينقضى »
« 2 » وقوله عليه السلام :
« الذي ليس لصفته حدّ محدود » « 3 » .
وهذه هي الصفات الذاتية التي ليست محدودة بحدّ بعكس الصفات الفعلية التي لها حدّ كما سيأتي لأنّها عين ذاته ، والذات غير متناهية ، فالصفة لا تكون متناهية أيضاً .
في خطب أخرى يشير الإمام إلى أنّ الله سبحانه هو الذي حدَّ الأشياء ، حيث يصفه بقوله :
« يا حادَّ كلّ محدود »
. فهو سبحانه الذي أعطاه الحدّ ، ولم يكن ثَمَّ حدّ قبل هذا الإعطاء ، وذلك من قبيل ما جرى عليه كلام أمير المؤمنين عليه السلام في قوله :
« كيّف الكيف فلا كيف له ، وأيّن الأين فلا
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة رقم 186 ، ص 273 .
( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم 94 ، ص 139 .
( 3 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم 1 ، ص 39 .