تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
« السرمدي » . الأوّل يشير إلى طرف الابتداء فيما يشير الثاني إلى طرف الانتهاء « 1 » . على ذلك إذا افترضنا أنّ للموجود بداية ونهاية ، فهو ليس أزليّاً ولا سرمديّاً ، لأنّه له من طرف البداية نقطة ابتداء لم يكن قبلها موجوداً ، وله من طرف النهاية نقطة انتهاء لم يعد بعدها موجوداً . بعبارة أخرى : إنّ هذا الموجود مسبوق في المقدَّم بحالة كان فيها معدوماً ، ومن المؤخّر يلحق بحالة العدم ، فالعدم يسبق وجوده ويليه . وهذه حالة عرفية من السهل ملاحظتها في الإنسان ، فزيد مثلًا ولد في يوم معيّن لم يكن قبله موجوداً ، وينتهى عمره في يوم محدّد لا يعود بعده موجوداً ، وبذلك فوجوده يحدّ في هذه الدنيا بين الأجلين ؛ بين الميلاد والوفاة . وهكذا بشأن بقيّة الموجودات الحادثة التي تفتقر إلى الأزلية قِدماً وإلى الأبدية مستقبلًا . لكن ليس الأمر كذلك بالنسبة إلى الله سبحانه . فمهما توغّلنا من حيث الابتداء لا نصل إلى نقطة كانت ولم يكن الله فيها ، كما لا نعثر من حيث الانتهاء على نقطة تكون ولا يكون الله فيها . والحديث عن الابتداء والانتهاء إنّما يكتسب معناه من خلال حركتنا وعلاقتنا بالزمان والمكان ، حيث ننطلق من نقطة أو لحظة لنرجع إلى نقطة ولحظة وهكذا . فإذا ثبت عدم محدودية الحقّ سبحانه ، وفقاً لمبدأ الوحدة الحقّة الحقيقية فستثبت أزليّته وأبديّته . إلى هذا المعنى يشير الإمام عليه السلام في كلامه : « الحمد لله الدالّ على وجوده بخلقه ، وبمحدَث خلقه على أزليّته » « 2 » فإذا كانت مخلوقاته حادثة فوجوده ليس بحادث ، وإلّا لو كان
هامش
( 1 ) ينظر في معنى الأزلىّ والسرمدىّ : المعجم الفلسفي ، د . جميل صليبا ، الشركة العالمية للكتاب ، بيروت ، 1982 ج 1 ، ص 29 ، 654 . ( 2 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة رقم 152 ، ص 211 .
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 76 | السيد كمال الحيدري