معالجة التباس
لكن قد تحصل في الذهن مفارقة على هذا الصعيد من خلال المقارنة بين قول الله تعالى في سورة « المائدة » :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ وَاحِدٌ
« 1 » وبين قوله سبحانه في سورة « المجادلة » :
مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا
« 2 » بما قد توحيه الآية الثانية من وهم الإضافة العددية .
من الجلىّ أنّ الآية لا تريد أنّ الله سبحانه يدخل في عددهم وفى صفّهم ، ولا تفيد مماثلته لهم في تتميم العدد ، لأنّ كلّ واحد من هؤلاء شخص واحد جسمانىّ يكوّن بانضمامه إلى مثله الاثنين ، وإلى مثليه الثلاثة ، والله منزّه عن الجسمية . إذن ينبغي البحث عن معنى الآية في جهة أخرى ؛ هذا المعنى يتمثّل بالمعيّة العلمية المقصودة بقوله سبحانه :
إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ
. فما من نجوى إلّا والله يشارك أصحابها في العلم ويقارنهم في الاطلاع على ما يتسارّون به لا أنّه يماثلهم في تتميم العدد ؛ فهو تعالى محيط بهم ، عالم بنجواهم ، مكشوف له ما يتسارّون به ويخفونه عن غيرهم ، لا أنّ له وجوداً محدوداً يقبل العدّ بحيث يمكن أن يُفرض له ثان وثالث وهكذا ، لأنّ وحدته سبحانه وحدة أحديّة يستحيل معها فرض الغير معه .
وممّا يدلّ على أنّ معنى الآية هو المعيّة العلمية لا الاقتران الجسمانىّ صدر الآية :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ
وذيلها :
ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
إذ يدور كلاهما حول
العلم
هامش
( 1 ) المائدة : 73 .
( 2 ) المجادلة : 7 .