تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨

معالجة التباس

لكن قد تحصل في الذهن مفارقة على هذا الصعيد من خلال المقارنة بين قول الله تعالى في سورة « المائدة » : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ وَاحِدٌ « 1 » وبين قوله سبحانه في سورة « المجادلة » : مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا « 2 » بما قد توحيه الآية الثانية من وهم الإضافة العددية . من الجلىّ أنّ الآية لا تريد أنّ الله سبحانه يدخل في عددهم وفى صفّهم ، ولا تفيد مماثلته لهم في تتميم العدد ، لأنّ كلّ واحد من هؤلاء شخص واحد جسمانىّ يكوّن بانضمامه إلى مثله الاثنين ، وإلى مثليه الثلاثة ، والله منزّه عن الجسمية . إذن ينبغي البحث عن معنى الآية في جهة أخرى ؛ هذا المعنى يتمثّل بالمعيّة العلمية المقصودة بقوله سبحانه : إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ . فما من نجوى إلّا والله يشارك أصحابها في العلم ويقارنهم في الاطلاع على ما يتسارّون به لا أنّه يماثلهم في تتميم العدد ؛ فهو تعالى محيط بهم ، عالم بنجواهم ، مكشوف له ما يتسارّون به ويخفونه عن غيرهم ، لا أنّ له وجوداً محدوداً يقبل العدّ بحيث يمكن أن يُفرض له ثان وثالث وهكذا ، لأنّ وحدته سبحانه وحدة أحديّة يستحيل معها فرض الغير معه . وممّا يدلّ على أنّ معنى الآية هو المعيّة العلمية لا الاقتران الجسمانىّ صدر الآية : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وذيلها : ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ إذ يدور كلاهما حول العلم
هامش
( 1 ) المائدة : 73 . ( 2 ) المجادلة : 7 .