تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
يُقبل الإنسان بوجهه لله الواحد وَإِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ « 1 » لا ريب أنّ الإنسان جُبل على التنوّع الفكري ، وربما كان أبرز مصاديق ذلك اختلاف العقل الإنسانى في إدراك التوحيد وفهمه برغم ما توفّره الفطرة من أساس مشترك يُلهم الإنسانية أصل التوحيد . وفهم التوحيد على أساس القول بالوحدة العددية في مقابل نفى الكثرة العددية هو مرتبة من مراتب الفهم التوحيدي ثَمَّ ما يفوقها ويأتي وراءها إذا ما تعمّق الإنسان بالمعارف الإلهية في هذا المضمار ونفذ في غورها . والقرآن نفسه ينفى هذه الوحدة إلى ما وراءها حيث الوحدة القهّارة ؛ الوحدة الحقّة الحقيقية . فمن دأب القرآن في عدد وافر من آياته أنّه يردف وحدة الله بالقهّارية كلّما ذكرها ، كما قوله سبحانه : وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ « 2 » ، وقوله : أَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ « 3 » ، وقوله في سورة « ص » : وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ « 4 » ، وفى سورة الزمر : لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ « 5 » . فهذه الآيات تصرِّح بأجمعها أنّ وحدة الله قهّارة ؛ والسؤال : لماذا ؟ وما معنى ذلك ؟ فلو كانت وحدته سبحانه وحدة عددية لكانت مقهورة غير قاهرة ، ومثل هذا الواحد لو فرض بإزائه فرد آخر كانا اثنين ، وصار مقهوراً بالحدّ الذي يَحُدُّه به الفرد الآخر ، فمحدودية الوجود هي التي تقهر الواحد العددي على أن يكون واحداً ، وبانسلاب هذه الوحدة تتألف كثرة عددية .
هامش
( 1 ) العنكبوت : 46 . ( 2 ) الرعد : 16 . ( 3 ) يوسف : 39 . ( 4 ) ص : 65 . ( 5 ) الزمر : 4 .