تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
لقد أشار القرآن الكريم في آيات عديدة إلى أنّ كلّ شئ مسخّر لأجل الإنسان وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ « 1 » ، حتى الملائكة مسخّرة لتدبير أمور الإنسان فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً « 2 » فيما تقوم به وفاقاً لدورها من إنزال الوحي والرزق وغير ذلك . ما تهدف إليه حركة التسخير هذه هو أن يتحرّك الإنسان صوب كماله النهائي . عندما نأتى إلى القرآن لنستنطقه عن هدف الخلق ، يواجهنا قول الله سبحانه : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 3 » . وهذه العبادة لا تمثّل الهدف النهائي لوجود الخلق ، وإنّما هي وسيلة وحسب لبلوغ الكمال النهائي المتمثّل في اليقين بالله وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ « 4 » . والذروة في هذا اليقين هو ما بلغه أنبياء الله العظام على هذا الخطّ ، حيث يصف القرآن الكريم مقام خليل الرحمن بقوله : وَكَذلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ « 5 » . فكلّ شئ إذن مسخّر للإنسان كي يبلغ كمالَه ، وكمالُ الإنسان في معرفة الله ، وبلوغ اليقين بهذه المعرفة . وهنا يلتقى الكمال بالمعرفة التوحيدية وفق مسار يرسم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خطواته بدقّة في قوله : « أوّل الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه » « 6 » .
هامش
( 1 ) الجاثية : 13 . ( 2 ) النازعات : 5 . ( 3 ) الذاريات : 56 . ( 4 ) الحجر : 99 . ( 5 ) الأنعام : 75 . ( 6 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة رقم 1 ، ص 39 .