لقد أشار القرآن الكريم في آيات عديدة إلى أنّ كلّ شئ مسخّر لأجل الإنسان
وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
« 1 » ، حتى الملائكة مسخّرة لتدبير أمور الإنسان
فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً
« 2 » فيما تقوم به وفاقاً لدورها من إنزال الوحي والرزق وغير ذلك .
ما تهدف إليه حركة التسخير هذه هو أن يتحرّك الإنسان صوب كماله النهائي . عندما نأتى إلى القرآن لنستنطقه عن هدف الخلق ، يواجهنا قول الله سبحانه :
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 3 » . وهذه العبادة لا تمثّل الهدف النهائي لوجود الخلق ، وإنّما هي وسيلة وحسب لبلوغ الكمال النهائي المتمثّل في اليقين بالله
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
« 4 » .
والذروة في هذا اليقين هو ما بلغه أنبياء الله العظام على هذا الخطّ ، حيث يصف القرآن الكريم مقام خليل الرحمن بقوله :
وَكَذلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
« 5 » .
فكلّ شئ إذن مسخّر للإنسان كي يبلغ كمالَه ، وكمالُ الإنسان في معرفة الله ، وبلوغ اليقين بهذه المعرفة .
وهنا يلتقى الكمال بالمعرفة التوحيدية وفق مسار يرسم الإمام أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب خطواته بدقّة في قوله :
« أوّل الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه »
« 6 » .
هامش
( 1 ) الجاثية : 13 .
( 2 ) النازعات : 5 .
( 3 ) الذاريات : 56 .
( 4 ) الحجر : 99 .
( 5 ) الأنعام : 75 .
( 6 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة رقم 1 ، ص 39 .