أنّ المفاهيم بعضها عين بعض . فعلى مستوى المفاهيم يميّز الذهن جيّداً في المعاني التي يستوحيها بين الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر ، فكلّ واحد من هذه هو غير الآخر على مستوى المفاهيم ، ومن ثمّ تبقى المفاهيم محافظة على ثغورها وتعددها .
إنّ الذهن الإنسانى يفهم من مقولتى : « الله عالم » و « الله سميع » معنيين لا معنىً واحداً ، بعكس ما يفهمه من كلمتي « بشر » و « إنسان » إذ لا يتبادر إلى ذهنه غير معنىً واحد لترادف اللفظين .
لكن السؤال : هل هذه المفاهيم المختلفة والمعاني المتكثرة في الذهن ، تحكى عن حقائق متعددة في الواقع الخارجي ، أم عن حقيقة واحدة ؟ لا ريب أنّها تحكى حقيقة واحدة هي الله سبحانه .
على سبيل المثال ، لو افترض الإنسان أنّ أمامه ناراً ، وعبّر عنها بأنّها حارة ومضيئة ، فإنّ الحرارة والنور مفهومان اثنان ، فالحرارة غير النور ، إذ قد يكون الشئ حارّاً ولا يكون نيّراً ، وقد يكون نيّراً ولا يكون حارّاً ، ولكن هل يعبّر هذان المفهومان عن حقيقة واحدة في الخارج أم حقيقتين ؟ ليس أمام الإنسان
إلّاالنار ، وهى حقيقة خارجية واحدة انتزع منها الذهن مفهومين . وإلّا فليس معنى التعدّد المفهومي أنّ بعضاً من النار مضىء غير حارّ ، وبعضاً منها حارّ غير مضىء ، بل المصداق واحد .
في مثال آخر : أجد نفسي أنا كاتب السطور مخلوقاً لله ومعلوماً له سبحانه ، و « مخلوق » و « معلوم » مفهومان ، ولكن أيعنى ذلك مصداقاً أن نصفى معلومٌ ونصفى الآخر مخلوقٌ ، أم يعنى أنّنى بكلّى مخلوق ومعلوم في آن .
إذن : يمكن أن يكون المصداق واحداً لكن المفهوم متعدّد ، وهذه هي نظرية الإمامية فيما تذهب إليه في الصفات من أنّها جميعاً عين الذات ، وهى جميعاً بعضها عين بعض في الواقع الخارجي ، مع تمايزها مفهوماً .
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 157
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٥٧