إلّا أن التحدّى بالبلاغة والفصاحة يواجه إشكالين أساسين ، هما :
الأول : إن وضع الألفاظ للمعاني إنما هو من صنع الإنسان ، والطريقة التي تدلّ بها الألفاظ على المعاني الموضوعة لها من
اعتباره أيضاً ، وعليه فتكون اللغة وجميع النظام الكلامي واللفظي المترتب عليها من نتاجات الإنسان نفسه . وفى ضوء هذه الحقيقة كيف يكون الشئ الذي يصنعه الإنسان بنفسه فوق طاقته وأكبر من قدراته لدرجة أنه يعجز عن الإتيان بمثله ؟
الثاني : إن التراكيب الكلامية لو فرض أن بينها تركيباً بالغاً حدّ الإعجاز ، فهذا يعنى أن كلّ معنى من المعاني المقصودة له تراكيب كلامية مختلفة من جهة النقص والكمال ، نعم يوجد بينها تركيب واحد هو أرقاها وأبلغها يعجز البشر عن الإتيان بمثله ، إلّا أن القرآن كثيراً ما يورد المعنى الواحد من خلال بيانات متعددة وتراكيب كلامية مختلفة كما هو الحال في القصص التي يقصّها القرآن عن الأنبياء والأمم السالفة ، فكيف تكون كلّ هذه البيانات بدرجة الإعجاز مع التفاوت
المفروض من الكمال والنقص ؟
نظرية الصرفة وردّها
يقرّر العلامة الطباطبائي قدّس سره بأن هاتين الشبهتين وما شاكلهما قد دفعا جمعاً من الباحثين والمحققين في علوم القرآن إلى القول بنظرية الصرفة في إعجاز القرآن ، وهى النظرية التي تقرّر بأن الإتيان بمثل القرآن محال على البشر ، لكن لا بسبب أن التراكيب الكلامية القرآنية