الثانية : أن الرسالة الإسلامية المتمثّلة بالقرآن الكريم تميّزت بخصائص كثيرة ؛ منها : أنها جاءت بنمط فريد من الثقافة الإلهية عن الله سبحانه وتعالى وصفاته وعلمه وقدرته ، ونوع العلاقات بينه وبين الإنسان ، ودور الأنبياء في هداية البشرية ووحدة رسالتهم ، وما تميّزوا به من قيم ومثل ، وسنن الله تعالى مع أنبيائه ، والصراع المستمرّ بين الحق والباطل والعدل والظلم ، والارتباط الوثيق المستمرّ لرسالات السماء بالمظلومين والمضطهدين ، وتناقضها المستمرّ مع أصحاب المصالح والامتيازات غير المشروعة .
وهذه الثقافة الإلهية لم تكن أكبر من الوضع الفكري والديني لمجتمع وثنىّ منغمس في عبادة الأصنام فحسب ، بل كانت أكبر من كلّ الثقافات الدينية التي عرفها
العالم يومئذ ، حتى أن أىّ مقارنة تبرز بوضوح أنها جاءت لتصحّح ما في تلك الثقافات من أخطاء ، وتعدّل ما أصابها من انحراف وتعيدها إلى حكم الفطرة والعقل السليم .
ومنها : أنها جاءت بقيم ومفاهيم عن الحياة والإنسان ، والعمل والعلاقات الاجتماعية ، وجسّدت تلك المفاهيم والقيم في تشريعات وأحكام ، وكانت تلك القيم والمفاهيم حتى من وجهة نظر من لا يؤمن بربّانيتها من أنفس وأروع ما عرفه تأريخ الإنسان من قيم حضارية وتشريعات اجتماعية .
فأبن مجتمع القبيلة ظهر على مسرح العالم والتأريخ فجأة لينادى بوحدة البشرية ككلّ ، وابن البيئة التي كرّست ألواناً من التمييز
الإعجاز بين النظرية والتطبيق — صفحة 163
مساهمون: محمود نعمة الجياشي
ص١٦٣