وكان شخص النبىّ صلى الله عليه وآله يمثّل الحالة الاعتيادية من هذه الناحية ، فلم يكن قبل البعثة يقرأ ويكتب ، ولم يتلقّ أىّ تعليم منظّم أو غير منظّم : وَما كنْتَ تَتْلُو منْ قَبْلِهِ منْ كتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمينِك إِذاً لَارْتَابَ الْمبْطِلُونَ « 1 » .
فهذا النصّ القرآني دليل واضح على مستوى ثقافة الرسول قبل البعثة ، وهو دليل حاسم حتى في حقّ من لا يؤمن بربّانيّة القرآن ، لأنه على أىّ حال نصّ أعلنه النبىّ صلى الله عليه وآله على بنى قومه ، وتحدّث به إلى أعرف الناس بحياته وتأريخه ، فلم يعترض أحد على ما قال ، ولم ينكر أحد ما ادّعى .
بل نلاحظ أن النبىّ صلى الله عليه وآله لم يساهم قبل البعثة حتى في ألوان النشاط الثقافي الذي كان شائعاً في قومه من شعر وخطابة ، ولم يؤثَر عنه أىّ تميّز عن
أبناء قومه ، إلّا في التزاماته الخلقية وأمانته ونزاهته وصدقه وعفّته .
وقد عاش أربعين سنة قبل البعثة في قومه دون أن يحسّ الناس من حوله بأىّ شئ يميّزه عنهم سوى ذلك السلوك النظيف ، ودون أن تبرز في حياته أىّ بذور عملية أو اتجاهات جادّة نحو عملية التغيير الكبرى التي طلع بها على العالم فجأة بعد أربعين عاماً من عمره الشريف .
قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم وَلَا أَدْرَاكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ
هامش
( 1 ) العنكبوت : 48 .