فِيكم عُمراً منْ قَبْلِهِ أَ فَلَا تَعْقِلُونَ « 1 » .
وكان النبىّ قد وُلد في مكة ، وظلّ فيها طيلة الفترة التي سبقت البعثة ، ولم يغادرها إلى خارج الجزيرة العربية إلّا في سفرتين قصيرتين : إحداهما مع عمه أبى طالب وهو صبىّ في أوائل العقد الثاني ، والأخرى بأموال خديجة وهو في أواسط العقد الثالث .
ولم يتيسّر له بحكم عدم تعلّمه للقراءة والكتابة أن يقرأ شيئاً من النصوص الدينية لليهودية أو المسيحية ، كما لم يتسرّب إليه أىّ شئ ملحوظ من تلك النصوص عن طريق البيئة ، لأن مكة كانت وثنيّة في أفكارها وعاداتها ، ولم يتسرّب إليها الفكر المسيحي أو اليهودي ، ولم يدخل الدير إلى حياتها بشكل من الأشكال ، وحتى أولئك الحنفاء الذين رفضوا عبادة الأصنام من عرب مكة لم يكونوا قد تأثّروا باليهودية أو المسيحية ، ولم ينعكس شئ من الأفكار اليهودية والمسيحية على ما خلفه قسّ بن ساعدة أو غيره من تراث أدبىّ وشعرىّ .
ولو كان النبىّ صلى الله عليه وآله قد بذل أىّ جهد للاطلاع على مصادر الفكر اليهودي والمسيحي للوحظ ذلك ، إذ في بيئة ساذجة ومنقطعة الصلة بمصادر الفكر اليهودي والمسيحي ومعقّدة ضدّها لا يمكن أن تمرّ محاولة من هذا القبيل دون أن تلفت الأنظار ، ودون أن تترك
بصماتها على كثير من التحرّكات والعلاقات .
هامش
( 1 ) يونس : 16 .