والعقل المستنير والرؤية الدينية السليمة .
ومنها : أن القرآن بلغ في روعة بيانه وبلاغته وتجديده في أساليب
البيان إلى درجة جعلت منه حتى من وجهة نظر غير المؤمنين بربّانيته حدّاً فاصلًا بين مرحلتين من تاريخ اللغة العربية ، وأساساً لتحوّل هائل في هذه اللغة وأساليبها .
وقد أحسّ العرب الذين حدّثهم النبىّ صلى الله عليه وآله بالقرآن بأنه لا يشبه إطلاقاً ما ألفوه من أساليب البيان ، وما نشأوا عليه وأتقنوه من طرائق التعبير ، حتى قال قائلهم حين استمع إلى القرآن : « لقد سمعتُ كلاماً ما هو من كلام الإنس ، ولا من كلام الجنّ ، وإن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو وما يعلى ، وإنه ليحطم ما تحته » « 1 »
وكانوا لا يسمحون لأنفسهم بالاستماع إلى القرآن ، إحساساً منهم بأثره الهائل ، وخوفاً من قدرته الفائقة على
تغيير نفوسهم .
وقد استسلموا أمام هذا التحدّى المستمرّ والمتصاعد الذي واجههم النبىّ به ، إذ أعلن تارة عجزهم مجتمعين عن الإتيان بمثله . وأكّد أخرى عجزهم مجتمعين عن الإتيان بعشر سور مفتريات مثله وشدّد ثالثة على عجزهم عن الإتيان بما يناظر سورة واحدة من القرآن
هامش
( 1 ) القائل هو الوليد بن المغيرة ، أنظر أسباب النزول في سورة المدثر ، ص 295 ، وكذلك إعلام الورى : ج 1 ص 110 . نقلًا عن المصدر .