وقد عرفت « 1 » أنّ المركّب العبادي عبارة عن أجزاء وشرائط في لحاظ الوحدة ، ويكون الأمر الداعي إلى نفس المركّب داعياً إلى الأجزاء والشرائط لا بداعوية أخرى ، بل بداعوية نفس المركّب . وهذا أصل آخر .
وإذا عرفتهما نقول : لا إشكال في أنّ الآتي بالأقلّ القائل بالبراءة ، والآتي بالأكثر القائل بالاشتغال كليهما متحرّكان بتحريك الأمر المتعلّق بالمركّب ، فإذا سئل منهما ما محرّككما في إتيان هذا الموجود الخارجي ؟ أجابا قوله تعالى :
أَقِيمُوا الصَّلاةَ
« 2 » وأمثاله ، فإتيانهما للأجزاء المعلومة يكون بداعوية الأمر المتعلّق بالمركّب ، من غير فرق بينهما من هذه الجهة أصلًا ، وإنّما يفترقان في أنّ القائل بالبراءة لا يرى نفسه مكلّفاً بإتيان الجزء المشكوك فيه ، بخلاف القائل بالاشتغال ، وهذا لا يصير فارقاً فيما هما مشتركان فيه ، وهو الإتيان بالأجزاء المعلومة بداعوية الأمر المتعلّق بالمركّب « 3 » .
هذا كلّه في الأصل العقلي .
هامش
( 1 ) - تقدّم في الصفحة 264 و 266 .
( 2 ) - البقرة ( 2 ) : 43 .
( 3 ) - هذا هو التحقيق . وأمّا مع فرض الوجوب الغيري للأجزاء فيمكن أن يقال : إنّ الآتي بالأقلّ يمكنه قصد التقرّب ، وما لا يمكن له إنّما هو الجزم بالنيّة ، وهو غير معتبر في العبادات ، ولهذا كان التحقيق صحّة عمل الاحتياط وترك طريقي الاجتهاد والتقليد ، وكما أنّ الجزم بالنيّة غير ميسور مع الإتيان بالأقلّ غير ميسور مع الإتيان بالأكثر أيضاً ؛ للشكّ في أنّ الواجب هو الأقلّ أو الأكثر ، ومعه لا يمكن الجزم بالنيّة ، فقصد القربة ممكن منهما والجزم غير ممكن منهما بلا افتراق بينهما . [ منه قدس سره ]