لقد كان البرامكة وزراء هارون الرشيد وهم الذين تعبوا في سبيل حكمه ، ولكن شيئاً فشيئاً شعر هارون الرشيد بأنه لا يملك شيئاً ، فالبرامكة هم الذين أخذوا الحكم وعندها حاك مؤامرة ضدهم واطاح بهم فقتل جعفر وسجن يحيى البرمكي الذي كان يناديه الرشيد يا أبتاه ، لان هارون الرشيد تربى على يد يحيى ، وكان جعفر أخا لهارون الرشيد من الرضاعة ، فأمر هارون الرشيد ياسر خادمه وجلاده ، وقال له : اذهب وابحث عن جعفر البرمكي واقتله واحضر رأسه ، فذهب ياسر وطلب جعفرا وقال له : أجب أمير المؤمنين يريدك واخذه إلى مكان منعزل وأراد ان يقتله ، فقال : لماذا ؟
قال : أمير المؤمنين امرني بذلك ، قال اذهب بي إلى أمير المؤمنين ، قال لا ، قال : دعني انظر اليه من بعيد ، قال : لا ، ترى لماذا هذا الاصرار ؟
ذلك لان جعفراً كان يعلم أن هارون الرشيد لو رآه ولو من بعيد فإنه لا يقتله لأنه كان يحبه كثيراً ، فاتى ياسر بجعفر إلى حيث اعدمه ، فلما احضر رأسه إلى هارون ، قال لخدمه : اضربوا عنق ياسر فاني لا أقدر ان انظر إلى قاتل جعفر « 1 » .
ووصل الامر من السوء بالبرامكة ان أم جعفر البرمكي كانت تتمنى لو عندها جلد شاتين تفترش إحداهما وتتلحف بالأخرى .
قال المسعودي ان محمد بن عبد الرحمن الهاشمي قال : دخلت على والدتي يوم نحر ، فوجدتها وعندها امرأة برزة متكلمة في أثواب رثة فقالت لي : أتعرف هذه ؟ قلت : لا ، قالت : هذه عبادة أم جعفر بن يحيى ( البرمكي ) فأقبلت عليها بوجهي أحدثها وأعظمها ثم قلت لها : يا أماه ما أعجب ما رأيت ؟ قالت : يا بني لقد اتى عليّ عيد مثل هذا وانا على رأسي أربعمائة وصيفة ، واني لاعد ابني عاقاً لي ولقد اتى علي هذا العيد وما أتمنى سوى جلد شاتين افترش أحدهما وألتحف الآخر « 2 » .
هامش
( 1 ) مروج الذهب / ج 3 / ص 380 .
( 2 ) المصدر / ص 383 .