فالرسول انتصر في غزوة بدر ، واستطاع فتح الجزيرة العربية بالغيب ، والمسلمون استطاعوا فتح العالم بالغيب ، وهكذا يفسرون كل شيء تفسيراً غيبياً .
وحينما نسأل أصحاب هذا الاتجاه : لماذا انهزم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في بعض الحروب ؟ ولماذا قتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) ؟ ولماذا اغتيل الإمام الحسن ( عليه السلام ) بالسم ؟ رغم انهم جميعا كانوا ينصرون الله ويبلغون رسالته ؟ فان جوابهم هو ان الله أراد ذلك ، هكذا يفسرون التاريخ تفسيراً غيبياً ، وبصورة كلية .
اما الاتجاه الذي نعتقد انه هو الصحيح فهو الاتجاه الوسط الذي يقول : ان التاريخ نتاج عمل الانسان ، ولكن في الوقت نفسه للغيب تأثيره في الانسان نفسه . فالرسول ( صلى الله عليه وآله ) كان متصلًا بالغيب ، والأئمة المعصومون بدورهم كانت علومهم وأفكارهم موروثة من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لفضلهم ولاحسانهم ، ولعلمهم ، ولأنهم تفوقوا على غيرهم في الورع والتقوى .
الأنبياء أنفسهم لا يختارهم الله الا بحكمة . . . وقد قال ربنا عن إبراهيم ( عليه السلام ) : وإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَاتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ( البقرة / 124 )
وقال عن موسى ( عليه السلام ) : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ءَاتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( يوسف / 22 )
فالأبتلاء سبق الاختيار كما أن الاحسان سبق الحكم والعلم ، واما سائر الأمور فيما ثبت من التاريخ ان عاملها المؤثر هو الغيب نفسرها بالغيب ، وفيما ثبت انها من عالم الشهود نفسرها بالتأثيرات الخارجية ، فلا ننكر هذا ولا ننكر ذلك ، ولا يكون منا افراط في اتجاه الغيبيات ولا تفريط في اتجاه الشهوديات ، وانما نسير على الطريق الوسط .
فمثلا : ان الإمام الصادق ( عليه السلام ) حين دعي إلى الاجتماع الذي ضم كبار القادة العلويين والعباسيين لانتخاب قائد للحركة ، وكان الاجتماع قد عقد
التاريخ الإسلامي (دروس وعبر) — صفحة 301
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٠١