امامه لا يعد سوى تلميذا له ، وانه كلما أراد ان يكسب بالرضا شرعية لسلطانه كان الامر يأتي عكس ما يريد .
ومن جهة ثانية نقمة بني العباس عليه لما رأوا ان في ذلك خروج الأمر منهم ، حيث اجتمع من ببغداد من ولد العباس ومواليهم وشيعتهم على خلع المأمون ، ومبايعة إبراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة .
لذا عمد وبعد سنة واحدة على تولية الإمام الرضا ( عليه السلام ) « 1 » على سمّه وتعجيل ايصال خبر وفاته إلى بني العباس في بغداد مطمئناً إياهم ان الامر لازال في أيديهم .
اذن فان النظرة التي طالما يناقشها الباحثون عند الحديث عن ولاية العهد ، من أن المأمون كان ينطلق من دوافع دينية ورسالية ، ثم بعد ذلك غلب عليه الهوى والمصلحة لقاعدة ان الملك عقيم ، هذه النظرة لا تصمد امام الواقع التاريخي الذي سبق تولية الإمام الرضا العهد . .
ففي تلك الظروف الضاغطة على السلطة العباسية ، من نتائج الخلافات الداخلية التي جرت بين المأمون واتباعه وبين أخيه الأمين ومناصريه ، والتي خمدت على جثث عشرات الألوف من القتلى ، ودمار بغداد « 2 » . ثم الضغط الكبير الذي شكلته الثورة الرسالية في الكوفة ( ثورة أبي السرايا ) التي كانت تدعو إلى الرضا
هامش
( 1 ) بويع الإمام الرضا يوم الخميس لخمس ليال خلون من محرم سنة اثنين ومائتين وقبض سنة ثلاث ومئتين ( مروج الذهب / ج 3 / ص 441 ) .
( 2 ) حوصر أهل بغداد وغادى القتال وراوحه ، حتى تواكل الفريقان ، وخربت الديار ، وعفت الآثار ، وغلت الأسعار ، وذلك في سنة ست وتسعين ومائة ، وقاتل الأخ أخاه والابن أباه ، هؤلاء محمدية ( نسبة إلى محمد الأمين ) وهؤلاء مأمونية وهدمت المنازل ، وأحرقت الديار ، وانتهت الأموال . ( مروج الذهب للمسعودي ج 3 ص 402 ) . ويقول في صفحة 404 من تاريخه :
" ولم تزل الحرب قائمة بين الفريقين أربعة عشر شهراً ، وضاقت بغداد بأهلها وتعطلت المساجد ، وتركت الصلاة ، ونزل بها بما لم ينزل بها قط مثله ، منذ بناها أبو جعفر المنصور " . إلى أن يقول : " وحوصر محمد في قصره من الجانب الغربي ، فكان بينهم في بعض الأيام وقعة تفانى فيها خلق كثير من الفريقين " .
ويقول أيضا في وصفه لوقعة دار الرقيق : " وكانت وقعة أخرى عظيمة بشارع دار الرقيق ، هلك فيها خلق كثير ، وكثر القتل في الطرق والشوارع ، ينادي هذا بالمأمون ، والاخر بالمخلوع ، ويقتل بعضهم بعضاً ، وأنتهبت الدور ، فكان الفوز لمن نجا بنفسه من رجل وامرأة " .
وفي ذلك يقول الشاعر :بكت عيني على بغداد لما * فقدت غضارة العيش الأنيق
تبدلنا هموماً من سرور * ومن سعة تبدلنا بضيق
اصابتنا من الحساد عين * فأفنت أهلها بالمنجنيق
فقوم احرقوا بالنار قصرا * ونائحة تنوح على غريق
وصائحة تنادي يا صحابي * وقائلة تنادي يا شقيقي
وحوراء المدامع ذات دلّ * مضمخة المجاسد بالخلوق
تنادي بالشفيق ؛ فلا شفيق * وقد فقد الشفيق مع الرفيق
وقوم اخرجوا من ظل دنيا * متاعهم يباع بكل سوق
ومغترب بعيد الدار مُلقىً * بلا رأس بقارعة الطريق
توسط من قتالهم جميعاً * فما يدرون من أي الفريق
فلا ولد يقيم على أبيه * وقد هرب الصديق عن الصديق
ومهما أنس من شيء تولى * فإتّي ذاكر دار الرقيق