هارون : ان في هذا لفيصلا ، فأرسل إلى جعفر ليلًا ، فلما طرق جعفر رسول الرشيد بالليل خشي ان يكون قد سمع فيه قول يحيى وانه انما دعاه ليقتله ، فأفاض عليه ماء ودعا بمسك وكافور فتحنط بهما ولبس بردة فوق ثيابه واقبل إلى الرشيد ، فلما وقعت عليه عينه وشمّ رائحة الكافور ، ورأى البردة عليه قال : يا جعفر ! ما هذا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين قد علمت أنه قد سعى بي عندك فلما جاء رسولك في هذه الساعة لم آمن ان يكون قد قرح في قلبك ما يقال عليّ فأرسلت اليّ لتقتلني ، فقال : كلا . . ولكن قد أخبرت انك تبعث إلى موسى بن جعفر من كل ما يصير إليك بخمسه ، وانك قد فعلت ذلك في العشرين ألف دينار ، فأحببت ان اعلم ذلك ، فقال : جعفر : الله أكبر يا أمير المؤمنين ، مر بعض خدمك يذهب فيأتيك بها بخواتيمها ، فقال الرشيد لخادم له : خذ خادم جعفر وانطلق به حتى تأتيني بهذا المال ، وسعى له جعفر جاريته التي عندها المال فدفعت اليه البدر بخواتيمها ، فأتي بها إلى الرشيد ، فقال له جعفر : هذا أول ما تعرف به كذب من سعى بي إليك ، قال صدقت يا جعفر انصرف آمنا فاني لا اقبل فيك قول أحد « 1 » .
فالذي يكون في مثل هذا المقام الكريم والنشاط المذهل كيف لا يخاف هارون العباسي من دمه ، هارون الذي لم يدخر وسيلة الا واستعملها ضد الامام .
فقد روي أن هارون العباسي انفذ إلى موسى بن جعفر ( عليه السلام ) جارية خصيصة ، لها جمال ووضاءة لتخدمه في السجن ، فقال الامام لمن اتى بها : قل له بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ( النمل / 36 )
لا حاجة لي في هذه ولا في أمثالها ، قال الراوي : فاستطار هارون غضبا وقال : ارجع اليه وقل له : ليس برضاك حبسناك ولا برضاك اخذناك واترك الجارية عنده وانصرف ، قال فمضى ورجع ثم قام هارون من مجلسه وانفذ الخادم اليه
هامش
( 1 ) نفس المصدر / ص 208 .