فقال له : ما رأيت مثل هذا الرمي قط مذعقلت ، وما ظننت أن في الأرض أحداً يرمي مثل هذا الرمي ، أيرمي جعفر مثل رميك ؟
فقال : إنّا نحن نتوارث الكمال والتمام اللذين أنزلهما الله على نبيه ( صلى الله عليه وآله ) في قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً ( المائدة / 3 ) ، والأرض لا تخلو ممن يكمل هذه الأمور التي يقصر غيرنا عنها .
قال : فلما سمع ذلك من أبي انقلبت عينه اليمنى فاحولت واحمر وجهه ، وكان ذلك علامة غضبه إذا غضب ، ثم اطرق هنيئة ثم رفع رأسه ، فقال :
ان علياً كان يدّعي علم الغيب والله لم يطلع على غيبه أحداً ، فمن أين ادعى ذلك ؟ فقال أبي : إن الله جل ذكره أنزل على نبيه ( صلى الله عليه وآله ) كتاباً يبين فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، في قوله تعالى : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ( النحل / 89 ) ، وفي قوله : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ( يس / 12 ) ، وفي قوله : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ( الانعام / 38 ) وأوحى الله إلى نبيه ( صلى الله عليه وآله ) ان لا يبقي في غيبه وسره ومكنون علمه شيئاً إلا يناجي به علياً ، فأمره أن يؤلف القرآن من بعده ويتولى غسله وتكفينه وتحنيطه من دون قومه ، وقال لأصحابه : انه مني وأنا منه ، له مالي وعليه ماعليّ ، وهو قاضي ديني ومنجز وعدي ثم قال لأصحابه : علي بن أبي طالب يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ، ولم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله وتمامه إلا عند علي ( عليه السلام ) ، ولذلك قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأصحابه : أقضاكم علي أي هو قاضيكم وقال عمر بن الخطاب : لولا علي لهلك عمر ، يشهد له عمر ويجحده غيره .
فأطرق هشام طويلًا ثم رفع رأسه فقال : سل حاجتك ، فقال : خلّفت عيالي وأهلي مستوحشين لخروجي فقال : قد آنس الله وحشتهم برجوعك إليهم ولا
التاريخ الإسلامي (دروس وعبر) — صفحة 126
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٢٦