فكل وجود لابد من أن يصير إلى الموت والفناء . وإذا كان البعض يموتون وهم رقود فإنهم لا يموتون كذلك في الحقيقة بل لابد من أن يستيقظوا ولو للحظات لكي يذوقوا طعم المنية قبل ان يصادر وجودهم . لذلك لو أراد الانسان ان يدرك ويفهم فلسفة الحياة والوجود وحقيقة هذه الدنيا ، فعليه ان يذهب إلى المقابر ، ويزور المغتسل وينظر بتأمل كيف ان هذا الانسان الذي كان بالأمس يحادثه ، ويجالسه ، ويأكل ، ويشرب معه ، أصبح اليوم جثة هامدة باردة ، يصب عليه الماء من كل جانب ، ويقلب يمنة ويسرة كما تقلب الخشبة اليابسة !
اننا لو أدركنا حقيقة المنتهى ، وكيف يسدل الستار على هذا الوجود ، فإننا سندرك بعد ذلك الحقائق الأخرى المتعلقة بالحياة وطبيعتها . فلو فهم الانسان حقيقة الموت ، هانت لديه المصائب ، وذابت امامه جبال العسر والمشاق ، لأنه سيعيش بامل الآخرة ، ونيل نصيبه منها ، فيعيش عندئذ حياته سعيدا في ظل القناعة والتواضع والرضا بما رزقه الله وانعم عليه وان كان قليلا يسيرا .
وفي حياة أئمتنا ( عليهم السلام ) صور رائعة لهذا الايمان الصادق ، تركوها لنا لاقتفائها والاقتداء بها . فالإمام زين العابدين ( عليه السلام ) كان حين يجلس على
الأرض ، يجلس القرفصاء فلا يستوي في جلوسه ، أو يجلس جلسة القائم ، بل كان يجلس متواضعا ثم يدعو قائلا : " اللهم ارزقنا التجافي عن دار الغرور " .
وهكذا فان معرفة النهاية لابد وان تهدينا إلى معرفة البداية ، والمسلك الصحيح في الحياة كما يقول تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ اجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( آل عمران / 185 ) ، فإذا ما عمل الانسان في دنياه خيرا ، وجد فيها الخير . وإذا ابتغى الشر وعمل به ، فلا يجد الا كل ما هو شر وسيء .
في رحاب الايمان — صفحة 272
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٧٢