الحقائق تختلف عن القضايا السياسية الطارئة .
والناس - عادة - حينما ينظرون إلى الاحداث فإنهم لا يرون الا الظواهر التي ما هي الا معلولات ، ولايتعمقون في الحقائق التي تمثل العلل ، فينظرون إلى ظاهرة الحياة الدنيا وهم عن واقعها غافلون ، وهذا التقييم يكون في الغالب خاطئا لان من ينظر إلى الظواهر لا يمكن ان يكتشف ماوراءها من حقائق .
وعلى سبيل المثال فان الكثير من البسطاء توقعوا أثناء الحرب العالمية الثانية انهيار الحلفاء امام دول المحور ، وسيطرة هذه الدول على العالم ، وسبب هذا التوقع انهم نظروا إلى ظاهر قوة ألمانيا التي كان يقال عنها انها لا تقهر بفضل اسلحتها الحديثة ، وكفاءة جيشها وانضباطه ، ولكنهم في الحقيقة غفلوا عن حقائق أخرى كانت أهم ، وكان لها الدور الأكبر في تغيير مسار الحرب فيما بعد ، كمكر بريطانيا التي كانت قادرة بدهائها وحيلتها ان تدخل أميركا في الحرب ، بالرغم من بُعد الأخيرة عنها بآلاف الأميال في الجانب الآخر من المحيط الأطلسي .
ان مثل هؤلاء البسطاء لم يكونوا قد اخذوا بنظر الاعتبار الامكانيات الكامنة في الشعب الاميريكي هذا الشعب الذي كان يبحث عن دور في هذا العالم الواسع ، كما أنهم لم ينظروا إلى الطاقات الكامنة للشعب الروسي وقدرته على الصمود امام الغزو الأجنبي ، ولذلك كانت توقعاتهم خاطئة ، فانتهى الامر بالمانيا ودول المحور ان تنهزم امام الحلفاء .
وهكذا فان قدرة الشعب على الصمود امام المشاكل ، وعناده في مواجهة التحديات ، والامكانيات الكامنة فيه ، والثقافة المهيمنة عليه ، وطبيعة القيادة التي توجهه كل ذلك هو مقياس انتصار الشعوب أو هزيمتها ، وهذه الحقائق لاتلاحظ عادة ولذلك يخطأ المحللون في تقييم نتائج الحروب .
النهج الإسلامي (تأملات في مسيرة الحركة الإسلامية) — صفحة 57
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٧